جميع المواضيع

درس العلمية في العلوم الإنسانية

درس العلمية في العلوم الإنسانية
 

مسألة العلمية في العلوم الإنسانية

 محاور الدرس

1) الموضوعية في العلوم الإنسانية.

2)  علوم الإنسان بين التفسير والفهم.

3)  مسألة نموذجية العلوم الإنسانية.

4) نموذج السوسيولوجيا.

تــــقــــديــم:

         هناك شيء من الإجماع لدى الباحثين في مجال العلوم الإنسانية أن موضوع الإنسان قد اعتبر منذ زمن طويل- من التاريخ الفلسفي- محط اهتمام الفلاسفة ومرتعا لتأملاتهم، وكذا نظراتهم الفلسفية المجردة، لكن هذا التصور لمفهوم الإنسان ظل حبيس النظر والتأمل الميتافيزيقي.

من الواضح أن هذا التصور الكلاسيكي لمفهوم الإنسان سيتغير نتيجة التقدم الكبير الذي شهده مجال العلوم الطبيعية، وذلك عبر تحكم الإنسان في الطبيعة والسيطرة عليها بطرق عقلانية، الشيء الذي فرض ضرورة التفكير في إمكانية تأسيس ما نسميه بالعلوم الإنسانية، ودراسة الظواهر الاجتماعية بطرق عقلانية تتخذ من المنهج العلمي نموذجا لها، بهدف تحقيق أكبر قدر من الموضوعية.

ولا شك أن نشأة العلوم الانسانية خلال القرن التاسع عشر ساهمت في ميلاد عدة إشكالات وتساؤلات يمكن تلخيصها في النقاشات التي تشهدها الساحة الفكرية حول القيمة الموضوعية للعلوم الانسانية، ومدى إمكانية تأسيس معرفة موضوعية بالظاهرة الانسانية التي يتداخل فيها عنصري الذات والموضوع في الآن نفسه، وهل تخضع الظاهرة الانسانية في دراستها للفهم أم للتفسير؟ وما هو النموذج العلمي الملائم لهذه الظاهرة وأخيرا ما هي السوسيولوجيا؟ وما هو منهجها وموضوعها؟ كل هذه الإشكالات والتساؤلات ستساهم في ميلاد اتجاهين أو موقفين متمايزين، الأول منهما يسمى بالاتجاه الوضعي أو الطبيعي الذي  يستمد جذوره من الموقف الديكارتي الذي يطرح إمكانية دراسة الظاهرة الانسانية دراسة موضوعية وذلك من خلال تشييئها ووضع ذات الدارس وكل ما يرتبط بها بين قوسين، وهذا ما تقوم عليه دراسة الظواهر الفيزيائية، غير أن هذا الموقف الذي استلهم المنهج التجريبي، واعتبر أن الظواهر الانسانية لا تتنافى مع الظواهر الفيزيائية من حيث الشروط المنطقية، واجه انتقادات كثيرة أثارت جدالا حول مسألة تداخل الذات والموضوع، باعتبار أن الفعل الإنساني فعل هادف ومقصود، له غايات وإرادات تحددها الذات.

وفي مقابل هذا الاتجاه نجد موقف الفهم الذاتي التأويلي الذي يقر به ماكس فيبر، والذي يعتبر أن الظاهرة الانسانية هي ظاهرة جد معقدة وبالتالي فتطبيق المنهج التجريبي إزاء هذه الظاهرة صعب المنال.

وإذا كانت الظاهرة الفيزيائية نعتمد في دراستها على التفسير والتنبؤ فإن الفعل الإنساني عكس ذلك، يتخذ وسطا بينهما وبالتالي فهو يخضع للتأويل والفهم الذي يساعدنا على فهم مقاصد ودلالات وغايات الفعل الإنساني التي تحددها الذات، هذه الأخيرة التي تحتل مكانة كبرى عند بعض التيارات الفلسفية من خلال التجربة المعيشية التي عاشتها هذه الذات والتي تتلخص لنا في المعرفة التي نكونها عن هذا العالم بواسطة هذه الذات.

هذا النقاش بين مسألة الفهم والتفسير في الظاهرة الانسانية سيجعل الدارسين يطرحون السؤال حول النموذج العلمي بالنسبة للعلوم الانسانية، ومن هنا سيبرز السؤال حول مدى إمكانية تطبيق المنهج التجريبي لضمان أكبر قدر من الموضوعية في العلوم الانسانية.

إن إمكانية تطبيق النموذج العلمي في العلوم الانسانية ستفرض ضرورة التفكير في طبيعة هذه العلوم ومدى صلاحية المنهج فيها.

وإذا واجه هذا الموقف رفضا بسبب مدى تعقيد الظاهرة الانسانية فإنه في المقابل نجد أن بعض التيارات أي تمايز بين كل من الظاهرة الانسانية والظاهرة الفيزيائية، فيما يخص مسألة تدخل الذات، لكن هذه التيارات  ترى أنه يجب أن تتوفر هناك شروط إضافة للتحكم في الظاهرة الانسانية  والتمكن من دراستها دراسة موضوعية، لكن هذه الدراسة الموضوعية تجمل الفلاسفة الفينومينولوجيين يقفون موقف رفض منها، معتبرين أنها تجزئ الإنسان وتنسى تجربته الذاتية التي تزوده بكل معارفه عن العالم وتعتبر مصدرا لها.

أما السوسيولوجيا كعلم يختص بدراسة الإنسان ككائن اجتماعي باعتباره عضوا في مؤسسة اجتماعية فقد اصطدمت بجملة من الصعوبات وعرفت مجموعة من الإشكاليات سواء على مستوى الموضوع أو المنهج أو النظرية ويرجع ذلك إلى طبيعة الظاهرة الاجتماعية باعتبارها ظاهرة واعية يتداخل فيها عنصر الوعي والإرادة والقصد وهنا يطرح التساؤل عن طبيعة المنهج والنظرية المتبعة في دراسة الظاهرة الاجتماعية، وأمام ذلك تجد السوسيولوجيا نفسها حرجا في الجسم بين خيارين متباينين: الأول هو التماهي التام مع العلوم التجريبية ونقصد هنا اقتباس النموذج العلمي المتبع في العلوم الطبيعية وتطبيقية على الظواهر الاجتماعية الثاني وهو  القطيعة التامة مع العلوم التجريبية واعتماد نموذج ملائم لطبيعة الظاهرة الاجتماعية بالشكل الذي يحقق الموضوعية ولا يلغي فاعلية الذات.

ما من شك أن العلوم الانسانية في سعيها المتواصل أن تتحرر من قيود الإرث الفلسفي التأملي حيث ظلت على الرغم من ذلك عاجزة عن استيفاء شرط ما يسمى بالموضوعية ومرد هذا يمكن أن نرجعه لأسباب مبدئية تتصل بطبيعة الظواهر الانسانية المبحوثة ذاتها، كذلك يمكن اعتبار الظاهرة الانسانية، ظاهرة مركبة أو معقدة إن صح القول، حيث أن الظواهر والأفعال الانسانية هي ظواهر واعية إرادية لا تتكرر ولا تخضع للإطراد، من هنا حق لنا أن نتساءل عما إذا كان الإنسان ذاتا للمعرفة، وموضوعا لها في الآن نفسه؟ هل هناك إجماع بين الباحثين في مجال العلوم الانسانية حول القيمة الموضوعية للعلوم الانسانية؟ ما الذي يترتب على استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية من املاءات اللاوعي وقبليات الحس المشترك وأخيرا ما هي  العوائق التي تحول دون تأسيس معرفة موضوعية في العلوم الانسانية؟

لمعالجة هذه التساؤلات وغيرها يدعونا هذا إلى الانفتاح على العديد من التصورات بغية اقتفاء أثر الجواب عنها.

I-- الموضوعية في العلوم الانسانية.-

يطرح لوسيان غولدمان إشكالية الفهم الموضوعي للواقع في العلوم الانسانية، حيث يقر هذا الأخير بعجز العلوم الانسانية عن التحرر من عقال الإرث الفلسفي التأملي نظرا لعدم استيفائها شرط الموضوعية ومرد هذا أن الباحث في مجال العلوم الانسانية أثناء معالجته لظاهرة إنسانية يعجز عن التخلص من مواقفه المضمرة وأحكامه القبلية، أي المسبقة ثم نوازعه اللاواعية، أي استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية من املاءات اللاوعي، وقبليات الحس المشترك، كما يتطرق لوسيان إلى بعض العوائق التي تحول دون تأسيس معرفة موضوعية في العلوم الانسانية، ولتدعيم أطروحته هاته يعزز كما يذيل موقفه بالاستناد إلى بعض الحجج التي تصبو إلى إثبات مذكرته، وذلك من خلال إبرازه لمناحي الاختلاف بين شروط عمل الفيزيائي أو الكيميائي يجد منطلقه في اتفاق فعلي أو ضمني بين سائر الطبقات التي تكون المجتمع المعاصر، حول قيمته وطبيعته ومقصده، كما يرى لوسيان أن المغرفة العلمية هي الأكثر مطابقة للواقع الفيزيائي والأكثر فعالية ونجاعة، وفي هذا السياق لا يمكن غزو الشخصية في قبيل غياب روح النسقية، ثم انعدام الرؤية النافذة، وكذا الغرور والانطباع الانفعالي، وفي أقصى الأحوال غياب النزاهة الفكرية، على النقيض من ذلك نجد بأن وضعية العلوم الانسانية تختلف عن المعرفة التي تشكل أرضية أو أساس العلوم الفيزيائية – الكيميائية، فبدلا من الإجماع الضمني أو الصريح بين أحكام القيمة حول البحث العلمي فإننا نجد في العلوم الانسانية اختلافات جذرية في المواقف من هنا يبرز لنا لوسيان غولدمان انعدام الفهم الموضوعي في واقع العلوم الانسانية ثم استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية مما هو قبلي أو مواقف ذاتية، لان الباحث يتصدى في غالب الأحيان للوقائع مزودا بمفاهيم قبلية ومقولات مضمرة ولا واعية تسد عليه طريق الفهم الموضوعي بشكل قبلي، في هذا الإطار نجد بأن إيميل دوركهايم يقر بأن الظواهر الاجتماعية في ذاتها هي ظواهر مستقلة عن الذوات الواعية التي تتمثلها وبالتالي يجب دراستها من الخارج، من هنا نستشف أن الإنسان ليس ذاتا للمعرفة وموضوعا لها في الآن نفسه، في هذا النطاق تبرز أو تقر بوفريس رينيه فكرة جوهرية مفادها أن العلوم الانسانية بالرغم من نشأتها، وإرساء أسسها، في القرن 19، في سياق ابيستمولوجي خاص يصغي إلى الارتقاء إلى مستوى تطبيق النموذج الفيزيائي التجريبي على دراسة الإنسان، فإنها عجزت أن تفي بشرط الموضوعية لأسباب مبدئية تتصل أو رهنية إن صح القول- بطبيعة الظواهر الانسانية المبحوثة ذاتها، من هنا يتبين لنا جليا أن الباحثة بوفريس تطرح مشكلة الموضوعية في العلوم الانسانية بين التصور الوضعي والتصور النقدي، حيث ترى بوفريس أن المعرفة التي يكونها الإنسان عن نفسه تبقى دائما، وبعيدا عن أن تكون محايدة، مشبعة بالذاتية، كما أن النظرة التي تشكل علم النفس هي ظاهرة نفسانية، كذا علم الاجتماع هو ظاهرة سوسيولوجية تخص العالم الحديث، وبالتالي يستحيل مبدئيا أن تتمكن العلوم الانسانية من الوصول أو بلوغ الموضوعية المطلقة، أو التخلي عن جزء من أهدافها وغاياتها ثم الاكتفاء بدراسة المظاهر الأولية من الحقيقة أو الواقعة الانسانية.

في هذا الإطار نجد بأن ميشيل نوكويلتقي مع لوسيان غولدمان، حين يقر بأن مسألة العلوم الانسانية، في علاقتها بالعلوم الأخرى، سعيا وراء إبراز خصوصية الظاهرة الانسانية- باعتبارها ظاهرة معقدة وبالتالي متعددة الأبعاد ونقطة لتقاطع مجموعة من العلوم، مما يجعل دراستها أمرا صعبا، كما يعالج ليڤيستروس فكرة جوهرية في هذا السياق مفادها أن مسألة الظاهرة الانسانية وكيفية موضعتها أمام الصعوبة التي تطرحها ثنائية الملاحظ  والملاحظ،، وكذا كيفية الحفاظ على خصوصية هذه الظاهرة الانسانية وكيفية تناولها من طرف علوم الإنسان من جهة، ومن طرف الفلسفة من جهة أخرى، على النقيض من ذلك يحاول دوفرين M.Doufrenne  أن يعكس وجهة نظر مغايرة تنتصر للإنسان في أبعاده المتميزة بدل التركيز عليه كموضوع مما يؤدي إلى إفقاره، وسلب الخصائص الوجودية التي تضفي عليه طابعه المتفرد، بيد أن جون پياجي في إبستمولوجية العلوم الانسانية (1970) يقدم تصورا متكاملا عن الإشكالات الإبستمولوجية التي تواجهها العلوم الانسانية وتحقيق العلمية في دراستها، حيث يرى بأن وضعية العلوم الانسانية لهي أشد تعقيدا، وذلك لأن الذات التي تلاحظ أو تجرب على ذاتها أو على غيرها من الذوات قد تعرض لها من جهة تحولات صادرة عن الظواهر الملاحظة، بل وبشأن سياق هذه الظواهر، بل وبشأن طبيعتها في ذات الآن صعوبات إضافية بالقياس إلى وضعية العلوم الطبيعية التي يمكن الفصل فيها، بوجه عام بين الذات والموضوع.

يمثل العمل الإجماعي- التفلسف- معالجة فلسفية وبيداغوجية لبعض المفاهيم والقضايا، وتقدم مساهمة

"فرنسوا باستيان" تحليلا لرهانات العلوم الاجتماعية أو الانسانية في ضوء تعقد الموضوع وتداخل المناهج (مفارقة علاقة الذات بالموضوع) حيث تتمثل المفارقة غير القابلة للاختزال لدى الباحث الاجتماعي في كونه لا يستطيع الانفصال كلية عن مجتمعه الذي هو موضوع دراسته، في حين يعتبر هذا الانفصال مبدأ كل جهة علمي، غير أن هذا التوجه الوضعي الذي استلهم المنهج التجريبي، والذي أثبت نجاحه في العلوم التجريبية وقال بإمكانية بناء الظاهرة الانسانية، واجه انتقادات تصب كلها في إثارة إشكال التداخل بين الذات والموضوع وهذا الإشكال هو الذي يجعل كل موضعة، بالمعنى التجريبي، صعبة المنال، إن لم نقل مستحيلة، وفي هذا النطاق تنكشف طبيعة هذا التدخل وما يطرحه يتبين من خلال هذه العناصر أنه لا يمكن الحسم بخصوص موضعة الظاهرة الإنسانية، فالقول بذلك يفيد التماثل بين بنية الذات- الموضوع في العلوم الحقة وبنية علاقة الذات- الموضوع في العلوم الانسانية، وهو تماثل لا يصمد أمام الانتقادات الموجهة له، وما ينتج عن ذلك من تأثير سلبي على مكانتي كل من التفسير والفهم، الشيء الذي يطرح إشكالية يمكن إدراجها على النحو الآتي: - كيف تتحدد وظيفة النظرية العلمية؟

-II- علوم الإنسان بين التفسير والفهم:-

- تحتل عملية التفسير مكانة خاصة في العلوم الحقة، بل يمكن القول إنها تمثل مع التنبؤ النواة الصلبة للعقلنة الطبيعية وترييضها، إنها عملية عقلية تسمح باستنتاج اللاحق من السابق، والظواهر في القوانين باسم الضرورة المنطقية التي لا تسمح فقط بالتفسير بل أيضا بالتنبؤ. فهل يمكن القول بإمكانية التفسير بهذا المعنى في العلوم الانسانية؟

للإجابة عن هذا التساؤل وغيره، لابد لنا من أن ننفتح على تصور جيل غاستون غرانجي حيث يطرح هذا الأخير إشكالية الفهم في العلوم الانسانية وعلاقته بالتفسير العلي، حيث تتشكك النظريات العلمية في ميدان العلوم الانسانية، حسب غرانجي، في صورة أبنية عقلية حيث يرى بان نشاط العقل فيها يتراوح بين نموذجين معرفيين التفسير باعتباره كشفا موضوعيا، بوصفه نشاطا عقليا تأويليه يستخلص الدلالات والقيم، فالتفسير من وجهة نظر غرانجي مفاده كشف العلاقات المدروسة تنشأ عنها، وهذا المنهج التفسيري بطبيعة الحال يسلكه أو يسلك مساره العالم الفيزيائي، حيث يعمل جاهدا هذا الأخير على صياغة ثلة من الظواهر المعقدة في منظومة مبسطة من العلاقات تشكل هاته الأخيرة ترسيمة أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة، ولان كل تفسير سوء هذا سيتجاوز أو يتخطى نطاق العلم ليلتحق بركب الأسطورة والسحر، فهي لا تقف عند حدود التفسير بحيث لا يمكن تفسير الأفعال بل نسعى إلى فهمها، ومعنى هذا أننا نصبو إلى نقل إحساس أو تقدير أو انفعال ما بصورة حدسية، في هذا الصدد نجد بأن علماء النفس وعلماء الإجتماع ينزعون -عموما- إلى اختزال صياغاتهم الصورية للوقائع وردها إلى أوليات مستمدة من طبيعة الواقع المعيش ثم تقديم تأويل يرمي أو يهدف إلى فهم الفعل الإنساني، وبالتالي كان الفهم مشروعا لا محيد عنه ومن تم وجب القول أن الظاهرة الانسانية لا يمكن تفسيرها تفسيرا سببيا بالكشف عن العلاقات الثابتة والقوانين التي تنتظمها، هنا يستند غرانجي بفكرة أساسية مؤداها أن المعرفة أي معرفة الوقائع تتأسس على الفهم، حيث يرى بأن الفهم منهج يتيح إمكانية تأويل الظاهرة الإنسانية ودلالاتها، وعلى الرغم من ذلك نجد بأن غرانجي يكشف لنا عن محدودية منهج الفهم، حينما يستفيض في حديثه، ويقول: "المعرفة التي تتأسس على الفهم فقط هي معرفة مسرفة في مقتضياتها ومطالبها ومقصرة فيها بان واحد" ثم إن الرغبة في فهم جميع الظواهر، تجنح بالمعرفة في متامات الأسطورة والسحر، من هنا يكشف لنا هذا الأخير عن حدود المقاربة التفهيمية وعوائقها الإبستيمولوجية في هذا الصدد يتضح لنا مليا أن غرانجي يصوغ أطروحته حول محدودية منهج الفهم في تمثل الأفعال الإنسانية، معتمدا على تقنيات حجاجية، وذلك لإثبات أطروحته وتعزيزها، كذلك يبرز لنا غرانجي موقف الفهم، ويرى بأن هذا الأخير مهما كان موقف مشروعا لا محيد عنه، فإنه، مع ذلك، يضع عائقا جسيما أمام فعالية العقل في العلوم الإنسانية...

في هذا الصدد نجد بأن جول مونرو يتساءل حول الفهم كمنهج تأويلي وأهميته في استخلاص دلالات الظواهر الإنسانية، على خلاف جيل غاستون غرانجي، يمنح مونرو للفهم قيمة أساسية تتمثل في استخلاص المعاني والدلالات من التجارب الوجودية المباشرة، فالخاصية المميزة لظاهرة الفهم هي البداهة والوضوح، وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح وما يكون كافيا ومكتفيا بذاته، فمن المستحيل سيكولوجيا الشك في البداهة بل يتعين التسليم بها، فالبداهة تأخذ شكل معرفة مباشرة حالما عرضت لنا بوصفها بداهة، وكل محاولة نقوم بها لتأسيس البداهة على أساس الاستقراء هي محاولة ستفضي إلى تفويضها فالفهم حسب مونرو هو فعل معرفي مباشر بدون طرائق موضوعية.

لقد اعتمد بوبر على نقد الحتمية التاريخية كما تتجلى في العلوم الاجتماعية، إذ يرى أن النظريات العلمية لا يمكن التحقق من صحتها تجريبيا، ومن تم فإن معيارية علميتها تستمد من قابليتها للتكذيب أو قابليتها للرفض، ومن هنا فمعيار العلم معيار سلبي وليس معيارا إيجابيا في ظل السياق النقدي لمسألة العلمية في العلوم الانسانية نرى بأن جوليان فروند يضعنا في صلب النقاش التاريخي الذي ساد في أواخر القرن التاسع عشر، حول الفروق المنهجية والإبستيمولوجية التي تميز العلوم الدقيقة عن العلوم الانسانية، ولكي تثبت الأنتروبولوجيا- بوصفها علما إنسانيا مقارنة بالعلوم الدقيقة أو بالعلوم الانسانية الأخرى، قيمتها كعلم كان عليها أن تتوجه نحو موضوع شكل بؤرة للعلوم الإنسانية، وهو الثقافة.. بيد أن حداثة وجدّة الأنتروبولوجيا في الميدان لم تمنع علمائها من الاستفادة من المناهج العلمية التي سبقتها ومن ابتكار مناهج وطرق علمية جديدة تلائم موضوعاتها (مالينوڤسكيMalinowski)

يجيب "كلود ليفي ستروس" عن هذا السؤال الذي قد طرحناه سالفا متحفظ نوعا ما، حيث يرى أن تعبيرات العلوم الإنسانية فضفاضة، وتنبؤاتها غير أكيدة، فهي في وضعية إبستمولوجية حرجة تلزمها أن تكون وسط طريق بين التفسير والتنبؤ لأن موضوعها يستعصي على التعريف العلمي الدقيق الذي يسمح بتفسير الظاهرة المحددة، وبالتنبؤ بردود فعلها وتوجهاتها، ليس للعلوم الإنسانية إذن، من خيال آخر، إما أن تحدد موضوعها بشكل دقيق كالعلوم الحقة، فتفقره وآنذاك يمكنها أن تفسره، وإما أنها تحافظ عليه فتبقى في نصف الطريق بين التفسير والتنبؤ، بين المعرفة الخالصة من جهة والفعالية من جهة ثانية، في هذا المضمار يرفض "دلتاي" هيمنة نموذج العلوم الحقة على العلوم الإنسانية بالنسبة له تفهم ولا تفسير: فهي ظاهرة شمولية تخص إنسانا لا يعطى إلا كليا، ظاهرة يتداخل فيها ما هو نفسي مع ما هو اجتماعي، وتتأطر ضمن تاريخ يعتبر متفردا، إن المناهج الموضوعية التي تعتمد على المعايير الخارجية تعجز عن النفاذ إلى المعنى العميق لتجربة كلية تأخذ شكل "كل معيش". إن الفهم والتأويل هما اللذان يقودان إلى النفاذ داخل الحياة الدالة تأسيسا لما سبق نستشف من خلال التوثر القائم بين الفهم والتفسير أن الرهان الحقيقي هو رهان نموذجية العلوم التجريبية بالنسبة للعلوم الانسانية، فإلى أي حد يمكن الاستفادة من هذا النموذج؟ ألا يتعلق الأمر بمشكل زائف؟

-III- مسألة نموذجية العلوم الانسانية:

إن الخلاف حول نموذجية العلوم الانسانية بدأ يظهر خلال القرن التاسع عشر عندما بدأت العلوم الطبيعية تستقر، حينما بدأت الدعوة إلى دراسة العلوم الانسانية دراسة موضوعية واختيار النموذج العلمي المناسب لذلك، واعتبار الظواهر الانسانية كجميع الظواهر الفيزيائية يمكن أن نعتمد في دراستها على المنهج العلمي.

ومن هنا بدأت تظهر وجهات نظر متعددة سواء تعلق الأمر بالموضوعات التي تناولتها العلوم الانسانية أو بالمنهج المناسب لها.

وإذا كانت العلوم الفيزيائية تتناول بناء المادة والقوى التي تعمل في هذه المادة، فإن العلوم الانسانية تتناول بناء  المجتمع والقوى التي تعمل فيه.

فما هو إذن النموذج العلمي الملائم للعلوم الانسانية؟ وهل يمكننا دراسة الظاهرة الإنسانية بنفس الكيفية التي ندرس بها الظاهرة الفيزيائية؟ أم هناك نموذجا آخر للعلمية مناسب لدراسة هذه الظاهرة، وإذا اعتمدنا المنهج العلمي كنموذج لدراسة الظاهرة الإجتماعية ألا يكون الأمر أصعب مما نتوقع باعتبار أن السلوك أو الفعل الإنساني هو فعل ذو معنى وبالتالي فالظاهرة الانسانية هي ظاهرة معقدة.

يضعنا النص الذي كتبه الفيلسوف والمنطقي المعاصر جان لادريير Jean Ladrière 1921 أمام إمكانيتين في تناول ودراسة الظاهرة الإنسانية، تتمثل الإمكانية الأولى في المنهج الذي يتبعه دوركهايم والذي يستمد جذوره من الفلسفة الديكارتية، ويندرج هذا المنهج في إطار ما يمكن تسميته بالمنهج أو الاتجاه الوضعي أو الطبيعي، هذا الأخير الذي يؤكد على وحدة المنهج بين كل من الظواهر الفيزيائية والظواهر الإنسانية معتبرا أن الشروط المنطقية المتوفرة في الظاهرة الفيزيائية تتوفر كذلك في الظاهرة الإنسانية، وبالتالي فالظاهرة الانسانية يمكن اعتبارها كشيء ودراستها دراسة موضوعية من خلال وضع ذات الباحث وما يرتبط بها من دلالات وقيم...بين قوسين.

في مقابل هذا الاتجاه نجد الاتجاه الذي يقر به الفيلسوف ماكس ڤيبيرWeber Max 1864، والذي يمكن تسميته بمنهج الفهم الذاتي الذي يهدف إلى فهم وتأويل الظاهرة الانسانية أو السلوك الإنساني من أجل الوصول إلى مسار هذا السلوك ونتائجه معتبرا أن كل سلوك هو ببساطة الأمر سلوك هادف، أي أنه يتجه نحو تحقيق أهداف وغايات معينة، ومن هنا يكون لكل سلوك إنساني غايات وأهداف تحددها الذات.

يقف جان لادريير موقف إشكال إزاء كلا التوجهين المعتمدين في دراسة الظاهرة الانسانية معتبرا أننا إذا اعتمدنا التوجه الأول (المنهج الوضعي)  ستكون إزاء تشييء الظاهرة الإنسانية، وبالتالي سنجدها من كل ما يرتبط بها من مقاصد ونوايا ودلالات وقيم وغايات التي تتحكم في الفعل الإنساني وتكون موجها له، وفي المقابل إذا اعتمدنا التوجه الثاني (منهج الفهم الذاتي) في دراسة السلوك الإنساني، ألا نكون متقيدين إزاء ذلك المنظور الذاتي وبالتالي نفتقد للموضوعية التي تسعى تحقيقها في كل دراسة.

يقف لادريير موقف تساؤل من كل ذلك ويعتبر أنه بإمكاننا أن نعتمد في دراسة الظاهرة الإنسانية والاجتماعية نموذجا للعلمية يختلف على نظيره في مجال العلوم الفيزيائية دون وضع تمييز بين الظاهرة الفيزيائية والإنسانية، وهذا المنهج يكون ملائما للظاهرة المدروسة، وإذا كان جان لادريير يقر بضرورة إيجاد نموذج للعلمية مناسب للظاهرة المدروسة وتكييفه معها، فإن الفيلسوف الفرنسي إدغار موران    Edgar Morin1921 ، يميز بين ضربين في المعرفة الانسانية، الخطاب السوسيولوجي الذي يطمح إلى بلوغ قدر أكبر من الموضوعية من خلال تحرره من الثقل الميتافيزيقي، واعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يحتل الصدارة بالمقارنة مع أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يمثل الصدارة بالمقارنة من أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، فهو يهتم بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر في الظاهرة المدروسة من خلال العلاقات السببية، مستبعدا كل ما يتعلق بشروط الملاحظة وكل ما يرتبط بذات الباحث، أي كل ما هو خارجي بالنسبة للظاهرة المدروسة.

وهناك خطاب سوسيولوجي آخر يتقابل مع النمط الأول من الخطاب السوسيولوجي، وهذا الخطاب يسميه إدغار موران بالسوسيولوجية الإنشائية فكيف يحددها لنا إدغار موران؟ وما مدى الصلاحية الإبستمولوجية للنموذج الفيزيائي في هذا النمط  من الخطاب السوسيولوجي والذي سماه بالسوسيولوجيا الإنشائية؟ وما هو الأساس الإبستمولوجي لهذا النوع من السوسيولوجيا؟ وما هو التصور الجديد الذي أعطاه موران من خلال هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي؟

يعتبر إدغار موران أن السوسيولوجية الإنشائية هو نمط من أنماط الخطاب السوسيولوجي المعاصر، لكنه لم يتحرر بعد من الثقل الميتافيزيقي والتأمل الأخلاقي، بل أنه لا زال محتفظا بالنظر التأملي في جوهر الموجودات ، فهو يفترض وجود ذوات أو قوى فاعلة تساهم وتؤثر في الظاهرة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق فلا يمكن اعتماده على النموذج الفيزيائي وبالتالي على المنهج العلمي مما يجعله يفتقر إلى الموضوعية.

إن هذا النمط من السوسيولوجيا تحضر فيه ذات الباحث بشكل كبير في موضوع البحث، لكن حضور الذات هنا ليس بالمفهوم الميتافيزيقي، فالذات تحضر بكونها أساسا بيولوجيا، هذا التغير في مفهوم الذات الذي دشنت له البيولوجيا يجعل من الإنسان موجودا يضع ذاته وسط عالمه وبالتالي فالإنسان يصبح متضمنا في الظاهرة المدروسة أي أنه يصبح ذاتا وموضوعا في آن واحد، ويتجاوز كل تعال عن عالمه الذي يعيشه .

ويخلص موران إلى أن السوسيولوجيا رغم تشبثها بالعلمية ومحاولة تطلعها للنموذج الفيزيائي فإنها تبقى مرتبطة بالذات حيث لا يمكن عزل الظاهرة أو الموضوع المبحوث ودراسته بصورة تجريبية هذا يعني أنه مهما حاولنا موضعة الظاهرة الاجتماعية فإن ذات الباحث تبقى حاضرة بشكل واع أو بدون وعي في الموضوع المدروس.

لكن هل هذا الوجود لذات الباحث في الظاهرة المدروسة قد يؤثر بشكل سلبي من الناحية الموضوعية؟ وكيف تساهم الذات في تحديد الوضع الإبستمولوجي للعلوم الانسانية؟

يعتبر كل من طولرا ووارنيي أن العلوم الانسانية حديثة النشأة (ق19) وأن مجالها اعقد من مجال العلوم الطبيعية، إذ أن هذه الأخيرة نعتمد في دراستها على التجربة الدقيقة الشيء الذي يجعلنا نخلص إلى نتائج يقينية، أما بالنسبة للعلوم الانسانية فإننا قد نجد بعض الصعوبات في ذلك، ومنه فإن حضور الذات داخل الظاهرة الانسانية أو حضورها كذات وموضوع في نفس الآن أمر يسهل علينا التعامل معها ودراستها، ذلك لان الذات تكون على علم كامل بكل ما يحيط بها وما يصيبها أحيانا من تناقض ومن تغيرات مفاجئة وتلقائية، ولذلك فإن الابستمولوجيا المعاصرة تركز بشكل كبير على حضور الذات في دراسة الظاهرة الانسانية، وذلك بهدف الإحاطة بشكل كامل بالموضوع .

يعتبر الفيلسوف موريس مرلوپونتي من خلال كتابه " فينومينولوجيا الروح" أن للتجربة الذاتية أهمية كبرى في دراسة الظاهرة الانسانية بحيث أن كل معرفة يتوفر عليها الفرد ويكونها عن العالم فهي معرفة ناتجة عن احتكاك الذات بهذا العالم ومدى تفاعلها داخله، هذا الأخير الذي يختلف من شخص لآخر حسب التجربة الفردية، ويخلص هذا الفيلسوف إلى أن اعتماد المنهج التجريبي في دراسة الظاهرة الانسانية هو حذف ونسيان للعالم المعيش، وللتجربة الذاتية ولذلك ينبغي العودة إلى الإنسان باعتباره مولدا للمعنى ويعيش في عالم رفقة الغير.

إن هذا النقاش الإبستمولوجي حول نموذجية العلوم الانسانية وحول مدى صلاحية المنهج العلمي في دراسة الظاهرة الانسانية وكذا تداخل الذات والموضوع في دراسة الفعل الإنساني، فرض ضرورة اتخاذ السوسيولوجيا والتعريف بها وتحديد منهجها وموضوعها للإحاطة بشكل أكبر بالظاهرة الانسانية، ومعرفة الصعوبات التي يواجهها دارسها.

VI- نموذج السوسيولوجيا:

           يمكن تصنيف العلوم إلى صنفين علوم طبيعية موضوعها الطبيعة كمادة أو كظاهرة جامدة أو كظاهرة حية وعلوم اجتماعية موضوعها الإنسان كفرد أو كعضو في جماعة أي علاقته بالآخرين وفي حالة اندماجه بالمؤسسات الاجتماعية التي يتأثر بها ويؤثر فيها وهذا الميدان يختص به علم الاجتماع باعتباره الدراسة المنسقة التي تدرس الإنسان ككائن اجتماعي لاكتشاف حقائق جديدة تكون قابلة للتحقيق من صحتها ويعبر عنها بواسطة قوانين. إلا أن الحديث عن علم الاجتماع كعلم قائم بذاته أي ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يطرح مجموعة من الإشكاليات سواء على مستوى بناء الموضوع أو على مستوى تحديد المنهج أو على مستوى المكانة التي تحتلها النظرية في علم الاجتماع، وتندرج هذه الإشكاليات حول إمكانية عملية العلوم الاجتماعية أو استحالتها ويمكن صياغتها في الأسئلة التالية:

·        ما هي طبيعة الظاهرة الاجتماعية؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان ذاتا وموضوعا في نفس الآن؟

·        ما هو المنهج المتبع في دراسة الظواهر الاجتماعية؟ هل يصبح الحديث عن التفسير كأس الدقة العلمية أم أن وظيفة علم الاجتماع تنحصر في فهم الظواهر لا في تفسيرها؟

·        ما هي طبيعة النظرية السوسيولوجية؟ وهل يمكن الحديث عن نظرية شاملة في علم الاجتماع؟

·        إلى أي حد يمكن تحقيق الموضوعية في علم الاجتماع وهل يستقيم الحديث عن خطاب علمي في دراسة الواقع الاجتماعي؟

أ‌-      موضوع علم الاجتماع:

إن الظاهرة الاجتماعية تختلف عن الظاهرة الطبيعية المتميزة بالثبات وبالوجود الخارجي المستقل عن الإنسان، فهي ظاهرة معقدة يتداخل أكثر من عامل في تحديدها، كما أنها ظاهرة واعية يتدخل فيها عنصر الوعي البشري ويؤثر فيها الشيء الذي كان وراء تأخر العلوم الاجتماعية، إلا أن الأمر يعتبر موضوع نقاش لدى علماء الاجتماع فريمون آرون يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الظاهرة الاجتماعية معتبرا أن أهم ما يميز علماء الاجتماع هو صعوبة تحديد موضوعهم إلا أنه يرى أن علم الاجتماع كعلم قائم بذاته يجب أن يتحرى الدقة والضبط العلمي كما يجب أن يحدد الظواهر التي تشكل موضوعه الخاص وتميزه عن باقي العلوم الأخرى كالعائلة والطبقة الاجتماعية والعلاقات بين أقسام الواقع السياسي والاقتصادي...وهذا ما أكده عالم الاجتماع الفرنسي إميل دور كايم حيث حاول إعطاء علم الاجتماع الطابع الخاص الذي يميزه وذلك من خلال تحديد معنى الظاهرة الاجتماعية كموضوع خاص بعلم الاجتماع، فدور كايم يرى أنه قبل البحث عن المنهج الذي يلائم دراسة الوقائع الاجتماعية يجب معرفة هذه الوقائع والتعامل معها كأشياء منفصلة عنا كأفراد واعين، كما يرى أن الظواهر الاجتماعية تتميز على السواء وليس للفرد الحق في اتباع هذا النظام الاجتماعي أو الخروج عليه، وأن المجتمع قد وضع الجزاء لكل من ينحرف سلوكه عما اقتضته طبيعة الحياة الاجتماعية، إلا أن موقف دور كايم من الظواهر الاجتماعية كأشياء مستقلة عن الذات الواعية قد أثار انتقادات كثيرة من طرف علماء الاجتماع مثل لوسيان غولدمان الذي ناقش تصور دور كايم وانتقد موقفه حول طبيعة بناء الظاهرة الاجتماعية معتبرا أن التعامل مع الظاهرة الاجتماعية كشيء يصعب تحقيقه من الناحية الإبستمولوجية نظرا لخصوصية هذه الظاهرة ولاستحالة تجرد الباحث في علم الاجتماع من المفاهيم القبلية والإملاءات اللاواعية.

        هكذا وانطلاقا مما سبق نجد تباينا واضحا في ضوء إشكالية الموضوع في علم الاجتماع فهناك من يقول بإمكانية تشييء الظاهرة كما هو الشأن في العلوم الطبيعية وهناك من يجد صعوبة في تحديد الظاهرة الاجتماعية بطريقة منهجية دقيقة نظرا لتداخل الذات بالموضوع في دراسة الواقع الاجتماعي الشيء الذي ينعكس بطريقة مباشرة على إمكانية تطبيق المنهج العلمي في العلوم الاجتماعية.

ب: منهج علم الاجتماع.

         لقد تبلور المنهج العلمي وتجدر في البحوث الفيزيائية والطبيعية قبل أن ينتقل إلى البحوث الاجتماعية لينتشر على أوسع نطاق، حيث بات أداة لفهم واقع المجتمعات وجسر وعلاج لمشاكلها وذلك بفضل محطاته التقنية التي من خلالها يتعامل الباحث مع الواقع كواقع أي كما هو لا كما ينبغي أن يكون ملاحظة أو تجربة أو مقارنة أو مقارنة أو استقراء فتعميم والمعجم الفلسفي العربي عرف المنهج بأنه "الطريق الواضح في التعبير عن شيء أو في عمل شيء تعليم شيء طبقا لقوانين معينة وبنظام معين بغية الوصول إلى غاية معينة" ويمكن القول بوجه عام أن المنهج أو المناهج هو الطريقة التي يسلكها الباحث للإجابة عن الأسئلة التي تثيرها المشكلة موضوع البحث، إلا أن تطبيق المنهج في البحث الاجتماعي يعتبر موضع نقاش بين علماء الاجتماع مما يفسر تعدد المناهج واختلافها وهنا مارسيل موس يرى أن المواضع تتعدد في علم الاجتماع بقدر ما تتعدد الموضوعات التي يدرسها الباحث الاجتماعي، فبالرغم من أن دوركايم حاول وضع المنهج الذي ينبغي لعلم الاجتماع أن يتبعه ألا وهو المنهج الوضعي فإنه من غير الممكن وضع صياغة نهائية أو منهج قار في علم الاجتماع ولحل إشكالية المنهج في علم الاجتماع نجد جون لادريير يقدم تصور إبستمولوجي يصرح فيه الاحتمالات الممكنة لحل هذه الإشكالية وذلك من خلال إمكانية تكوين نموذج جديد للعملية خاص بالعلوم الاجتماعية مادام أن باب تاريخ المعرفة العلمية لم يغلق وأن التاريخ لازال ينتظر من العلوم الاجتماعية خاصة والعلوم الإنسانية عامة إغناءه بتجربتها ومنهجها، وإذا كانت العلوم الطبيعية تطورت عبر اعتماد المنهج الرياضي فلا يعني هذا ضرورة انطباق هذا المنهج على العلوم الاجتماعية واعتباره منهج نهائي ومطلق بل يمكن للعلوم الاجتماعية أن تشكل نموذجا ثانيا للمعرفة من خلال مناهج وأدوات أصيلة للتحليل والبحث. ويمكن اعتبار المنهج التفهمي كنموذج ثاني للعملية في علم الاجتماع مع ماكس فيبر الذي يعتبر من أكبر علماء الألمان الذين أسهموا في إنشاء علم الاجتماع من خلال دراسته للأفعال والسلوكات الإنسانية بشكل يختلف عن دراسة الظواهر الطبيعية وهنا يأخذ فيبر بعين الاعتبار موقع الذات العارفة في دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها ظواهر غائية ومحدودة بهدف مقصودة وبحوافز ممكنة وتقبل أن تكون موضوع تأويل تفهمي. وماكس فيبر في هذه السوسيولوجيا التفهمية يفترض أنه بإمكاننا أن نجد في ذواتنا دوافع كل فرد إنساني وبالتالي فمهمة السوسيولوجيا هي الفهم بواسطة تأويل الفعل الاجتماعي لتمكن بعد ذلك من تفسير تطورات وتأثيرات هذا الفعل بطريقة علية ولا نقصد بالعلية من تشييء الظواهر بل تفهم المعنى الذي يعطيه الإنسان لسلوكه. وفي مقابل هذا المنهج التفهمي الذي يقوم على الفهم والتأويل نجد مع إيان كريب منهج مغاير يقوم على التحليل والتفسير في دراسة الفعل الاجتماعي وهناك نوعين من التفسير حسب إيان كريب تفسير آلي يفسر الظاهرة الاجتماعية بالرجوع إلى أسبابها الفاعلة أي بالرجوع إلى الشرط اللازم كحدوث الظاهرة المدروسة وتفسير غائي يأخذ بعين الاعتبار النوايا والغايات في تفسير أفعال الفاعلين فالإنسان لا يقوم بالفعل ولا يتخذ قرار إلا وفق حسابات ومقاصد معينة.

         بوجه عام يمكن القول أن هناك مقاربات متعددة وتصورات مختلفة تندرج في إطار النقاش الإبستمولوجي المعاصر حول إمكانية اعتماد المنهج التفهمي أو المنهج التفسيري فهناك من أكد على أهمية الذات في بناء المعرفة وهناك من فصل الظاهرة عن إطارها الذاتي إلا أن هناك موقف ثالث مع جان كلود بابييه يجمع بين الاتجاهين ويضع السوسيولوجيا في وضعية وسط بين الفهم والتفسير.

         هكذا يمكن القول ومن جانب آخر أن محاولة تحديد مناهج العلوم الاجتماعية بالرغم من اختلافها وممارستها في البحث السوسيولوجي هي أولا وأخيرا طريقة للأخذ بالتفكير في التعريف بالواقع الاجتماعي. وعليه وبالجملة فإن مناهج العلوم الاجتماعية هي ضرورة حياتية بالنسبة للمجتمعات وأداة للعلاج والإصلاح والتطوير سواء على مستوى الفكر أو على مستوى الواقع الاجتماعي.

ج- النظرية في علم الاجتماع.

         تعتبر النظرية وحدة أساسية في نسق التفكير العلمي، إذ لا وجود لعلم بغير نظريات علمية ولا يمكن أن يتطور بدون تنظيرات علمية. فالنظرية بمعناها العلمي مقولات ومفاهيم تكون في علاقة جدلية مع الواقع تتطور به ويتطور بها ويكون الواقع هو المحك العلمي لتأكيد مصداقيتها وعلميتها فهي "بناء تصوري يبنيه الفكر ليربط بين مبادئ ونتائج معينة" وإجمالا يمكن القول بأن النظرية هي ذلك الإطار التصوري القادر على تفسير عالم الظواهر والعلاقات بغاية البحث عن العلل والأسباب وفهم الواقع الاجتماعي. وفي مجال السوسيولوجيا نجد أن النظرية الاجتماعية بالرغم من التقدم الذي عرفته فهي تبقى قاصرة على الإحاطة بالظواهر الاجتماعية فقدرتها على التفسير والتنبؤ أقل مصداقية وصرامة من حال النظرية في العلوم الطبيعية ومن هنا نتساءل عن طبيعة النظرية السوسيولوجية وأشكالها.. بل وإلى أي حد يمكن تحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية؟

         لقد عرف علم الاجتماع نظريات سوسيولوجية متعددة وأنتوني غدنزيري أن مجال النظرية في علم الاجتماع هو مجال خصب وأن الطريقة التي تتم بها دراسة العالم الاجتماعي تختلف من عالم اجتماع إلى آخر فإذا اهتم ماركس بدور القضايا الاقتصادية في تفسير المجتمع فإن ماكس فيبر أخذ بعين الاعتبار دور الذات في تفسير السلوك الاجتماعي أما دوركايم الذي كان له أثر واضح في تطور النظرية السوسيولوجية فقد تعامل مع الواقعة الاجتماعية كشيء بعيدا عن كل الآراء الشخصية. هكذا نجد أن لكل من ماركس وماكس فيبر ودوركايم زوايا مختلفة الشيء الذي يفسر ظهور نظريات اجتماعية متباينة ومن أهمها حسب أنتوني غدنز المدرسة الوظيفية، نظرية الفعل الاجتماعي ثم الفاعلية الرمزية. وإذا أردنا أن نلقي نظرة حول هذه التوجهات النظرية لمعرفة خصائصها وحدودها يمكن أن نقول أن المدرسة الوظيفية أو التحليل الوظيفي يستند إلى فكرة الكل الذي يتألف من أجزاء. كل جزء يقوم بأداء دور وهو معتمد في هذا الأداء على غيره من الأجزاء الأخرى ومن هنا يقوم التكامل والتساند الوظيفي بين الأجزاء بعضها البعض أو بين الأجزاء والكل لتحقيق توازن هذا الكل واستقراره ومن ثم استمراره. ويعد دوركايم رائد المدرسة الوظيفية فهو يمثل المجتمع بالكائن العضوي ويرى أن أجزاء المجتمع تتكامل وتترابط كما هو الحال بالنسبة لأعضاء الجسم البشري لهذا يجب أن ننظر إلى الظواهر في إطار التفاعل والترابط بدلا من النظائر إليها كظواهر منفصلة، أي مدى إسهام أي عنصر اجتماعي أو ثقافي في بقاء المجتمع واستمراره وتكامله واستمراره ونأخذ كمثال هنا أن دور القلب في استمرار حياة الكائن العضوي شبيه بدور كل تكوينات المجتمع في استمراره ودوامه وكذا استقراره وتوازنه باعتبار أن التوازن الاجتماعي هو الحالة الطبيعية للمجتمع.

في اتجاه آخر يمكن أن نقول أنع إذا كانت المدرسة الوظيفية تنطلق من دور البنى والأنساق الاجتماعية في تحقيق التوازن الاجتماعي فإن نظرية الفعل الاجتماعي تؤكد دور الفعل والتفاعل بين أعضاء المجتمع في تكوين هذه البنى الاجتماعية وماكس فيبر في تعريفه للفعل الاجتماعي يؤكد على مستويين أو اتجاهين لفهم السلوك الاجتماعي وهما المستوى الفردي والمستوى الجمعي بمعنى فهم الفعل الاجتماعي من وجهة نظر الفرد صاحب هذا السلوك ومن وجهة نظر الفرد كعضو في الجماعة، فالفعل لا يصبح اجتماعيا إلا إذا ارتبط المعنى الذاتي الذي يعطيه الفرد للفعل بسلوك الأفراد الآخرين. وهنا تركز نظرية الفعل الاجتماعي على الأسلوب الذي يتفاعل به الأفراد فيما بينهم من جهة وفيما بينهم وبين المجتمع من جهة أخرى وعلى الدور الذي يلعبه الفعل الاجتماعي في تكوين البنى الاجتماعية. وقد تطور هذا التوقف بصورة منهجية على يد المدرسة التفاعلية الرمزية مع الفيلسوف الأمريكي ميد من خلال تأكيدها على اللغة والرمز باعتبار أن اللغة هي الوسيلة التي تمكننا من معرفة ذواتنا كما يرانا الآخرون وأن الرمز هو الأساس الذي تقوم عليه مجموع عمليات التفاعل بين الأفراد وهذا التفاعل يتم عن طريق تبادل رموز وإيماءات شفوية وغير شفوية متواضع عليها من طرف مجتمع معين. هكذا يمكن القول أن كل من المدرسة الوظيفية ونظرية الفعل الاجتماعي والتفاعلية الرمزية لها منظورها الخاص في دراسة المجتمع يختلف بشكل أو بآخر عن النظريات الأخرى وهذا الاختلاف حسب أنتوني غدنز لا يعبر عن مواطن الضعف في علم الاجتماع بل هو دليل على خصوبة النظريات السوسيولوجية وحيويتها ومهما اختلفت هذه النظريات فإن علماء الاجتماع يتفقون على أن الباحث يجب أن يضع حدا لآرائه الشخصية وأن يتعامل مع الظواهر بشكل موضوعي لكن هذا لا يعني أن علم الاجتماع هو جهد فكري تجريدي بل يرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع وبالمواقف التي يواجهها الفرد في حياته. وإجمالا يمكن القول أن العلاقة بين النظريات السوسيولوجية هي علاقة ترابط وتكامل فميرتون عندما يتحدث عن التاريخ المعاصر للنظريات السوسيولوجية يتحدث عنه من توجهين مختلفين الأول ينطلق من بناء نظريات شاملة عن طريق صياغة قوانين سوسيولوجية وتعميمها على الظواهر الاجتماعية دون الاهتمام بالملاحظات الجزئية أو المستويات الصغرى من الواقع الاجتماعي والثاني يعتمد على بحوث جزئية حول وقائع مخصصة والتأكد من صحتها عن طريق الملاحظة والاختبار. هكذا نجد أن ميرتون يلخص تاريخ النظرية السوسيولوجية في اتجاهين هما السوسيولوجية الشمولية والنظرية الاختبارية وكل من هذين التوجهين يعطينا نظرة عن طبيعة النظرية السوسيولوجية وكذا طبيعة علم الاجتماع باعتباره يجد صعوبة كبيرة في تطوير نظرية شاملة وقارة وأمام هذا التعدد النظري نجد إيان كرين يفكر في النظرية الاجتماعية ضمن تصور إبستمولوجي ينظر إليها من خلال أربعة أبعاد: بعد معرفي بوصفها أداة لمعرفة العالم الاجتماعي وعاطفي تتدخل فيها التجربة الشخصية للمنظر الاجتماعي باعتباره إنسان إضافة إلى كونه عالم اجتماع يؤثر في الواقع الاجتماعي ويتأثر به مما ينعكس على طبيعة تصوره للواقع ثم تأملي بوصفها جزء من الحياة تعكس ما يوجد خارج المجتمع وداخله وأخيرا بعد معياري لا تقتصر على ما هو كائن بل على ما يجب أن يكون. وكل هذه الأبعاد الأربعة تساهم في بناء النظرية السوسيولوجية وذلك لفهم واستكشاف مناحي الحياة. وفي نفس السياق نجد بيار أنصار يحاول بدوره توضيح الجدل القائم حول صحة علمية العلوم الاجتماعية وصحة النظريات والنتائج المتوصل إليها. من خلال التمييز بين ثلاثة أبعاد في النظرية السوسيولوجية وهي البعد الإبستمولوجي والبعد النظري والبعد المنهجي أي من خلال معرفة الشروط العلمية لإنتاج المعارف والنظريات العلمية ومدى صحة محتواها النظري وتقنياتها المنهجية.

         بالرغم من التقدم الذي عرفته النظرية الاجتماعية فإنها تبقى قاصرة على الإحاطة بالظواهر الاجتماعية  موضوع البحث فقدرتها على التفسير والتنبؤ أقل مصداقية وصرامة وبالتالي أقل يقينية من حال النظرية في العلوم الطبيعية  بل هناك من يعتبر النظرية في العلوم الاجتماعية مجرد تقليد نظري لمفهوم النظرية في العلوم الحقة ومثل هذا القول لا يطعن في الصفة العلمية للنظريات الاجتماعية ولا في صحة النسبية لحقائقها التي تبقى مقتصرة على الظواهر المدروسة وأزمنتها وأمكنتها وسواء كانت النظرية في ميدان العلوم الاجتماعية تفسيرا أو تفهما فإنها تظل محاولة لتكوين صورة أو نموذج عقلي للواقع الاجتماعي المعقد بطبيعته.

 -״- تخــــريج عـــــام-״-

                                            رهــــانــات

 بناء على ما سبق يمكن القول أن المعرفة العلمية بالإنسان شكلت مكسبا حضاريا جعل  الإنسان يصبو إلى التعرف على أبعاد وجوده الاجتماعي والنفسي وكذا التاريخي، كما يرمي إلى بناء حقيقة علاقته مع ذاته ومع الغير والعالم. كما لعبت المعرفة دورا أساسيا أو جوهريا إن صح التعبير في تحرير الإنسان وتخليصه من بعض الأوهام ثم كسر المألوف والخروج عن المعتاد أي تحطيم زجاجة الظلال والدغمائية، خصوصا مع تبني نموذج العلوم التجريبية الذي أثبت نجاحه، بيد أن تبني النموذج يطرح سؤال إمكانية استيعاب الإنسان فعليا داخل نظرية علمية هنا يتبادر إلى أذهاننا بعض التساؤلات لا يمكن طرحها في هذا السياق على المنوال التالي

ألا يمكن القول إن معرفة الإنسان بذاته وبغيره تنقلت من القياس والتنبؤ؟ وإذا كان العلم الموضوعي قد تجاهل الإنسان ونسي المعيش، فهل نعتبر هذا النسيان أو التجاهل مبررا كافيا لرفض العلم التجريبي ومناهجه؟ هل نتحفظ بشأنه أم نطلبه بدعوى قدرته على الفهم والتفسير؟

إن مجتمعنا اليوم، هو في حاجة أكثر من أي وق مضى إلى أن يعرف نفسه علميا وموضوعيا، لكن ألا تواجه هذه الحاجة الملحة إلى اليوم، عوائق ثقافية وإيديولوجية؟ ما مكانة العلوم الانسانية في ثقافتنا؟ أين تتجلى صور ومظاهر هذه العلوم؟ هل يمكننا أن نستنتج معرفة علمية ببنية مجتمعنا المغربي؟

درس العلمية في العلوم الإنسانية

من طرف Unknown  |  نشر في :  15:12 0 تعليقات

درس العلمية في العلوم الإنسانية
 

مسألة العلمية في العلوم الإنسانية

 محاور الدرس

1) الموضوعية في العلوم الإنسانية.

2)  علوم الإنسان بين التفسير والفهم.

3)  مسألة نموذجية العلوم الإنسانية.

4) نموذج السوسيولوجيا.

تــــقــــديــم:

         هناك شيء من الإجماع لدى الباحثين في مجال العلوم الإنسانية أن موضوع الإنسان قد اعتبر منذ زمن طويل- من التاريخ الفلسفي- محط اهتمام الفلاسفة ومرتعا لتأملاتهم، وكذا نظراتهم الفلسفية المجردة، لكن هذا التصور لمفهوم الإنسان ظل حبيس النظر والتأمل الميتافيزيقي.

من الواضح أن هذا التصور الكلاسيكي لمفهوم الإنسان سيتغير نتيجة التقدم الكبير الذي شهده مجال العلوم الطبيعية، وذلك عبر تحكم الإنسان في الطبيعة والسيطرة عليها بطرق عقلانية، الشيء الذي فرض ضرورة التفكير في إمكانية تأسيس ما نسميه بالعلوم الإنسانية، ودراسة الظواهر الاجتماعية بطرق عقلانية تتخذ من المنهج العلمي نموذجا لها، بهدف تحقيق أكبر قدر من الموضوعية.

ولا شك أن نشأة العلوم الانسانية خلال القرن التاسع عشر ساهمت في ميلاد عدة إشكالات وتساؤلات يمكن تلخيصها في النقاشات التي تشهدها الساحة الفكرية حول القيمة الموضوعية للعلوم الانسانية، ومدى إمكانية تأسيس معرفة موضوعية بالظاهرة الانسانية التي يتداخل فيها عنصري الذات والموضوع في الآن نفسه، وهل تخضع الظاهرة الانسانية في دراستها للفهم أم للتفسير؟ وما هو النموذج العلمي الملائم لهذه الظاهرة وأخيرا ما هي السوسيولوجيا؟ وما هو منهجها وموضوعها؟ كل هذه الإشكالات والتساؤلات ستساهم في ميلاد اتجاهين أو موقفين متمايزين، الأول منهما يسمى بالاتجاه الوضعي أو الطبيعي الذي  يستمد جذوره من الموقف الديكارتي الذي يطرح إمكانية دراسة الظاهرة الانسانية دراسة موضوعية وذلك من خلال تشييئها ووضع ذات الدارس وكل ما يرتبط بها بين قوسين، وهذا ما تقوم عليه دراسة الظواهر الفيزيائية، غير أن هذا الموقف الذي استلهم المنهج التجريبي، واعتبر أن الظواهر الانسانية لا تتنافى مع الظواهر الفيزيائية من حيث الشروط المنطقية، واجه انتقادات كثيرة أثارت جدالا حول مسألة تداخل الذات والموضوع، باعتبار أن الفعل الإنساني فعل هادف ومقصود، له غايات وإرادات تحددها الذات.

وفي مقابل هذا الاتجاه نجد موقف الفهم الذاتي التأويلي الذي يقر به ماكس فيبر، والذي يعتبر أن الظاهرة الانسانية هي ظاهرة جد معقدة وبالتالي فتطبيق المنهج التجريبي إزاء هذه الظاهرة صعب المنال.

وإذا كانت الظاهرة الفيزيائية نعتمد في دراستها على التفسير والتنبؤ فإن الفعل الإنساني عكس ذلك، يتخذ وسطا بينهما وبالتالي فهو يخضع للتأويل والفهم الذي يساعدنا على فهم مقاصد ودلالات وغايات الفعل الإنساني التي تحددها الذات، هذه الأخيرة التي تحتل مكانة كبرى عند بعض التيارات الفلسفية من خلال التجربة المعيشية التي عاشتها هذه الذات والتي تتلخص لنا في المعرفة التي نكونها عن هذا العالم بواسطة هذه الذات.

هذا النقاش بين مسألة الفهم والتفسير في الظاهرة الانسانية سيجعل الدارسين يطرحون السؤال حول النموذج العلمي بالنسبة للعلوم الانسانية، ومن هنا سيبرز السؤال حول مدى إمكانية تطبيق المنهج التجريبي لضمان أكبر قدر من الموضوعية في العلوم الانسانية.

إن إمكانية تطبيق النموذج العلمي في العلوم الانسانية ستفرض ضرورة التفكير في طبيعة هذه العلوم ومدى صلاحية المنهج فيها.

وإذا واجه هذا الموقف رفضا بسبب مدى تعقيد الظاهرة الانسانية فإنه في المقابل نجد أن بعض التيارات أي تمايز بين كل من الظاهرة الانسانية والظاهرة الفيزيائية، فيما يخص مسألة تدخل الذات، لكن هذه التيارات  ترى أنه يجب أن تتوفر هناك شروط إضافة للتحكم في الظاهرة الانسانية  والتمكن من دراستها دراسة موضوعية، لكن هذه الدراسة الموضوعية تجمل الفلاسفة الفينومينولوجيين يقفون موقف رفض منها، معتبرين أنها تجزئ الإنسان وتنسى تجربته الذاتية التي تزوده بكل معارفه عن العالم وتعتبر مصدرا لها.

أما السوسيولوجيا كعلم يختص بدراسة الإنسان ككائن اجتماعي باعتباره عضوا في مؤسسة اجتماعية فقد اصطدمت بجملة من الصعوبات وعرفت مجموعة من الإشكاليات سواء على مستوى الموضوع أو المنهج أو النظرية ويرجع ذلك إلى طبيعة الظاهرة الاجتماعية باعتبارها ظاهرة واعية يتداخل فيها عنصر الوعي والإرادة والقصد وهنا يطرح التساؤل عن طبيعة المنهج والنظرية المتبعة في دراسة الظاهرة الاجتماعية، وأمام ذلك تجد السوسيولوجيا نفسها حرجا في الجسم بين خيارين متباينين: الأول هو التماهي التام مع العلوم التجريبية ونقصد هنا اقتباس النموذج العلمي المتبع في العلوم الطبيعية وتطبيقية على الظواهر الاجتماعية الثاني وهو  القطيعة التامة مع العلوم التجريبية واعتماد نموذج ملائم لطبيعة الظاهرة الاجتماعية بالشكل الذي يحقق الموضوعية ولا يلغي فاعلية الذات.

ما من شك أن العلوم الانسانية في سعيها المتواصل أن تتحرر من قيود الإرث الفلسفي التأملي حيث ظلت على الرغم من ذلك عاجزة عن استيفاء شرط ما يسمى بالموضوعية ومرد هذا يمكن أن نرجعه لأسباب مبدئية تتصل بطبيعة الظواهر الانسانية المبحوثة ذاتها، كذلك يمكن اعتبار الظاهرة الانسانية، ظاهرة مركبة أو معقدة إن صح القول، حيث أن الظواهر والأفعال الانسانية هي ظواهر واعية إرادية لا تتكرر ولا تخضع للإطراد، من هنا حق لنا أن نتساءل عما إذا كان الإنسان ذاتا للمعرفة، وموضوعا لها في الآن نفسه؟ هل هناك إجماع بين الباحثين في مجال العلوم الانسانية حول القيمة الموضوعية للعلوم الانسانية؟ ما الذي يترتب على استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية من املاءات اللاوعي وقبليات الحس المشترك وأخيرا ما هي  العوائق التي تحول دون تأسيس معرفة موضوعية في العلوم الانسانية؟

لمعالجة هذه التساؤلات وغيرها يدعونا هذا إلى الانفتاح على العديد من التصورات بغية اقتفاء أثر الجواب عنها.

I-- الموضوعية في العلوم الانسانية.-

يطرح لوسيان غولدمان إشكالية الفهم الموضوعي للواقع في العلوم الانسانية، حيث يقر هذا الأخير بعجز العلوم الانسانية عن التحرر من عقال الإرث الفلسفي التأملي نظرا لعدم استيفائها شرط الموضوعية ومرد هذا أن الباحث في مجال العلوم الانسانية أثناء معالجته لظاهرة إنسانية يعجز عن التخلص من مواقفه المضمرة وأحكامه القبلية، أي المسبقة ثم نوازعه اللاواعية، أي استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية من املاءات اللاوعي، وقبليات الحس المشترك، كما يتطرق لوسيان إلى بعض العوائق التي تحول دون تأسيس معرفة موضوعية في العلوم الانسانية، ولتدعيم أطروحته هاته يعزز كما يذيل موقفه بالاستناد إلى بعض الحجج التي تصبو إلى إثبات مذكرته، وذلك من خلال إبرازه لمناحي الاختلاف بين شروط عمل الفيزيائي أو الكيميائي يجد منطلقه في اتفاق فعلي أو ضمني بين سائر الطبقات التي تكون المجتمع المعاصر، حول قيمته وطبيعته ومقصده، كما يرى لوسيان أن المغرفة العلمية هي الأكثر مطابقة للواقع الفيزيائي والأكثر فعالية ونجاعة، وفي هذا السياق لا يمكن غزو الشخصية في قبيل غياب روح النسقية، ثم انعدام الرؤية النافذة، وكذا الغرور والانطباع الانفعالي، وفي أقصى الأحوال غياب النزاهة الفكرية، على النقيض من ذلك نجد بأن وضعية العلوم الانسانية تختلف عن المعرفة التي تشكل أرضية أو أساس العلوم الفيزيائية – الكيميائية، فبدلا من الإجماع الضمني أو الصريح بين أحكام القيمة حول البحث العلمي فإننا نجد في العلوم الانسانية اختلافات جذرية في المواقف من هنا يبرز لنا لوسيان غولدمان انعدام الفهم الموضوعي في واقع العلوم الانسانية ثم استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية مما هو قبلي أو مواقف ذاتية، لان الباحث يتصدى في غالب الأحيان للوقائع مزودا بمفاهيم قبلية ومقولات مضمرة ولا واعية تسد عليه طريق الفهم الموضوعي بشكل قبلي، في هذا الإطار نجد بأن إيميل دوركهايم يقر بأن الظواهر الاجتماعية في ذاتها هي ظواهر مستقلة عن الذوات الواعية التي تتمثلها وبالتالي يجب دراستها من الخارج، من هنا نستشف أن الإنسان ليس ذاتا للمعرفة وموضوعا لها في الآن نفسه، في هذا النطاق تبرز أو تقر بوفريس رينيه فكرة جوهرية مفادها أن العلوم الانسانية بالرغم من نشأتها، وإرساء أسسها، في القرن 19، في سياق ابيستمولوجي خاص يصغي إلى الارتقاء إلى مستوى تطبيق النموذج الفيزيائي التجريبي على دراسة الإنسان، فإنها عجزت أن تفي بشرط الموضوعية لأسباب مبدئية تتصل أو رهنية إن صح القول- بطبيعة الظواهر الانسانية المبحوثة ذاتها، من هنا يتبين لنا جليا أن الباحثة بوفريس تطرح مشكلة الموضوعية في العلوم الانسانية بين التصور الوضعي والتصور النقدي، حيث ترى بوفريس أن المعرفة التي يكونها الإنسان عن نفسه تبقى دائما، وبعيدا عن أن تكون محايدة، مشبعة بالذاتية، كما أن النظرة التي تشكل علم النفس هي ظاهرة نفسانية، كذا علم الاجتماع هو ظاهرة سوسيولوجية تخص العالم الحديث، وبالتالي يستحيل مبدئيا أن تتمكن العلوم الانسانية من الوصول أو بلوغ الموضوعية المطلقة، أو التخلي عن جزء من أهدافها وغاياتها ثم الاكتفاء بدراسة المظاهر الأولية من الحقيقة أو الواقعة الانسانية.

في هذا الإطار نجد بأن ميشيل نوكويلتقي مع لوسيان غولدمان، حين يقر بأن مسألة العلوم الانسانية، في علاقتها بالعلوم الأخرى، سعيا وراء إبراز خصوصية الظاهرة الانسانية- باعتبارها ظاهرة معقدة وبالتالي متعددة الأبعاد ونقطة لتقاطع مجموعة من العلوم، مما يجعل دراستها أمرا صعبا، كما يعالج ليڤيستروس فكرة جوهرية في هذا السياق مفادها أن مسألة الظاهرة الانسانية وكيفية موضعتها أمام الصعوبة التي تطرحها ثنائية الملاحظ  والملاحظ،، وكذا كيفية الحفاظ على خصوصية هذه الظاهرة الانسانية وكيفية تناولها من طرف علوم الإنسان من جهة، ومن طرف الفلسفة من جهة أخرى، على النقيض من ذلك يحاول دوفرين M.Doufrenne  أن يعكس وجهة نظر مغايرة تنتصر للإنسان في أبعاده المتميزة بدل التركيز عليه كموضوع مما يؤدي إلى إفقاره، وسلب الخصائص الوجودية التي تضفي عليه طابعه المتفرد، بيد أن جون پياجي في إبستمولوجية العلوم الانسانية (1970) يقدم تصورا متكاملا عن الإشكالات الإبستمولوجية التي تواجهها العلوم الانسانية وتحقيق العلمية في دراستها، حيث يرى بأن وضعية العلوم الانسانية لهي أشد تعقيدا، وذلك لأن الذات التي تلاحظ أو تجرب على ذاتها أو على غيرها من الذوات قد تعرض لها من جهة تحولات صادرة عن الظواهر الملاحظة، بل وبشأن سياق هذه الظواهر، بل وبشأن طبيعتها في ذات الآن صعوبات إضافية بالقياس إلى وضعية العلوم الطبيعية التي يمكن الفصل فيها، بوجه عام بين الذات والموضوع.

يمثل العمل الإجماعي- التفلسف- معالجة فلسفية وبيداغوجية لبعض المفاهيم والقضايا، وتقدم مساهمة

"فرنسوا باستيان" تحليلا لرهانات العلوم الاجتماعية أو الانسانية في ضوء تعقد الموضوع وتداخل المناهج (مفارقة علاقة الذات بالموضوع) حيث تتمثل المفارقة غير القابلة للاختزال لدى الباحث الاجتماعي في كونه لا يستطيع الانفصال كلية عن مجتمعه الذي هو موضوع دراسته، في حين يعتبر هذا الانفصال مبدأ كل جهة علمي، غير أن هذا التوجه الوضعي الذي استلهم المنهج التجريبي، والذي أثبت نجاحه في العلوم التجريبية وقال بإمكانية بناء الظاهرة الانسانية، واجه انتقادات تصب كلها في إثارة إشكال التداخل بين الذات والموضوع وهذا الإشكال هو الذي يجعل كل موضعة، بالمعنى التجريبي، صعبة المنال، إن لم نقل مستحيلة، وفي هذا النطاق تنكشف طبيعة هذا التدخل وما يطرحه يتبين من خلال هذه العناصر أنه لا يمكن الحسم بخصوص موضعة الظاهرة الإنسانية، فالقول بذلك يفيد التماثل بين بنية الذات- الموضوع في العلوم الحقة وبنية علاقة الذات- الموضوع في العلوم الانسانية، وهو تماثل لا يصمد أمام الانتقادات الموجهة له، وما ينتج عن ذلك من تأثير سلبي على مكانتي كل من التفسير والفهم، الشيء الذي يطرح إشكالية يمكن إدراجها على النحو الآتي: - كيف تتحدد وظيفة النظرية العلمية؟

-II- علوم الإنسان بين التفسير والفهم:-

- تحتل عملية التفسير مكانة خاصة في العلوم الحقة، بل يمكن القول إنها تمثل مع التنبؤ النواة الصلبة للعقلنة الطبيعية وترييضها، إنها عملية عقلية تسمح باستنتاج اللاحق من السابق، والظواهر في القوانين باسم الضرورة المنطقية التي لا تسمح فقط بالتفسير بل أيضا بالتنبؤ. فهل يمكن القول بإمكانية التفسير بهذا المعنى في العلوم الانسانية؟

للإجابة عن هذا التساؤل وغيره، لابد لنا من أن ننفتح على تصور جيل غاستون غرانجي حيث يطرح هذا الأخير إشكالية الفهم في العلوم الانسانية وعلاقته بالتفسير العلي، حيث تتشكك النظريات العلمية في ميدان العلوم الانسانية، حسب غرانجي، في صورة أبنية عقلية حيث يرى بان نشاط العقل فيها يتراوح بين نموذجين معرفيين التفسير باعتباره كشفا موضوعيا، بوصفه نشاطا عقليا تأويليه يستخلص الدلالات والقيم، فالتفسير من وجهة نظر غرانجي مفاده كشف العلاقات المدروسة تنشأ عنها، وهذا المنهج التفسيري بطبيعة الحال يسلكه أو يسلك مساره العالم الفيزيائي، حيث يعمل جاهدا هذا الأخير على صياغة ثلة من الظواهر المعقدة في منظومة مبسطة من العلاقات تشكل هاته الأخيرة ترسيمة أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة، ولان كل تفسير سوء هذا سيتجاوز أو يتخطى نطاق العلم ليلتحق بركب الأسطورة والسحر، فهي لا تقف عند حدود التفسير بحيث لا يمكن تفسير الأفعال بل نسعى إلى فهمها، ومعنى هذا أننا نصبو إلى نقل إحساس أو تقدير أو انفعال ما بصورة حدسية، في هذا الصدد نجد بأن علماء النفس وعلماء الإجتماع ينزعون -عموما- إلى اختزال صياغاتهم الصورية للوقائع وردها إلى أوليات مستمدة من طبيعة الواقع المعيش ثم تقديم تأويل يرمي أو يهدف إلى فهم الفعل الإنساني، وبالتالي كان الفهم مشروعا لا محيد عنه ومن تم وجب القول أن الظاهرة الانسانية لا يمكن تفسيرها تفسيرا سببيا بالكشف عن العلاقات الثابتة والقوانين التي تنتظمها، هنا يستند غرانجي بفكرة أساسية مؤداها أن المعرفة أي معرفة الوقائع تتأسس على الفهم، حيث يرى بأن الفهم منهج يتيح إمكانية تأويل الظاهرة الإنسانية ودلالاتها، وعلى الرغم من ذلك نجد بأن غرانجي يكشف لنا عن محدودية منهج الفهم، حينما يستفيض في حديثه، ويقول: "المعرفة التي تتأسس على الفهم فقط هي معرفة مسرفة في مقتضياتها ومطالبها ومقصرة فيها بان واحد" ثم إن الرغبة في فهم جميع الظواهر، تجنح بالمعرفة في متامات الأسطورة والسحر، من هنا يكشف لنا هذا الأخير عن حدود المقاربة التفهيمية وعوائقها الإبستيمولوجية في هذا الصدد يتضح لنا مليا أن غرانجي يصوغ أطروحته حول محدودية منهج الفهم في تمثل الأفعال الإنسانية، معتمدا على تقنيات حجاجية، وذلك لإثبات أطروحته وتعزيزها، كذلك يبرز لنا غرانجي موقف الفهم، ويرى بأن هذا الأخير مهما كان موقف مشروعا لا محيد عنه، فإنه، مع ذلك، يضع عائقا جسيما أمام فعالية العقل في العلوم الإنسانية...

في هذا الصدد نجد بأن جول مونرو يتساءل حول الفهم كمنهج تأويلي وأهميته في استخلاص دلالات الظواهر الإنسانية، على خلاف جيل غاستون غرانجي، يمنح مونرو للفهم قيمة أساسية تتمثل في استخلاص المعاني والدلالات من التجارب الوجودية المباشرة، فالخاصية المميزة لظاهرة الفهم هي البداهة والوضوح، وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح وما يكون كافيا ومكتفيا بذاته، فمن المستحيل سيكولوجيا الشك في البداهة بل يتعين التسليم بها، فالبداهة تأخذ شكل معرفة مباشرة حالما عرضت لنا بوصفها بداهة، وكل محاولة نقوم بها لتأسيس البداهة على أساس الاستقراء هي محاولة ستفضي إلى تفويضها فالفهم حسب مونرو هو فعل معرفي مباشر بدون طرائق موضوعية.

لقد اعتمد بوبر على نقد الحتمية التاريخية كما تتجلى في العلوم الاجتماعية، إذ يرى أن النظريات العلمية لا يمكن التحقق من صحتها تجريبيا، ومن تم فإن معيارية علميتها تستمد من قابليتها للتكذيب أو قابليتها للرفض، ومن هنا فمعيار العلم معيار سلبي وليس معيارا إيجابيا في ظل السياق النقدي لمسألة العلمية في العلوم الانسانية نرى بأن جوليان فروند يضعنا في صلب النقاش التاريخي الذي ساد في أواخر القرن التاسع عشر، حول الفروق المنهجية والإبستيمولوجية التي تميز العلوم الدقيقة عن العلوم الانسانية، ولكي تثبت الأنتروبولوجيا- بوصفها علما إنسانيا مقارنة بالعلوم الدقيقة أو بالعلوم الانسانية الأخرى، قيمتها كعلم كان عليها أن تتوجه نحو موضوع شكل بؤرة للعلوم الإنسانية، وهو الثقافة.. بيد أن حداثة وجدّة الأنتروبولوجيا في الميدان لم تمنع علمائها من الاستفادة من المناهج العلمية التي سبقتها ومن ابتكار مناهج وطرق علمية جديدة تلائم موضوعاتها (مالينوڤسكيMalinowski)

يجيب "كلود ليفي ستروس" عن هذا السؤال الذي قد طرحناه سالفا متحفظ نوعا ما، حيث يرى أن تعبيرات العلوم الإنسانية فضفاضة، وتنبؤاتها غير أكيدة، فهي في وضعية إبستمولوجية حرجة تلزمها أن تكون وسط طريق بين التفسير والتنبؤ لأن موضوعها يستعصي على التعريف العلمي الدقيق الذي يسمح بتفسير الظاهرة المحددة، وبالتنبؤ بردود فعلها وتوجهاتها، ليس للعلوم الإنسانية إذن، من خيال آخر، إما أن تحدد موضوعها بشكل دقيق كالعلوم الحقة، فتفقره وآنذاك يمكنها أن تفسره، وإما أنها تحافظ عليه فتبقى في نصف الطريق بين التفسير والتنبؤ، بين المعرفة الخالصة من جهة والفعالية من جهة ثانية، في هذا المضمار يرفض "دلتاي" هيمنة نموذج العلوم الحقة على العلوم الإنسانية بالنسبة له تفهم ولا تفسير: فهي ظاهرة شمولية تخص إنسانا لا يعطى إلا كليا، ظاهرة يتداخل فيها ما هو نفسي مع ما هو اجتماعي، وتتأطر ضمن تاريخ يعتبر متفردا، إن المناهج الموضوعية التي تعتمد على المعايير الخارجية تعجز عن النفاذ إلى المعنى العميق لتجربة كلية تأخذ شكل "كل معيش". إن الفهم والتأويل هما اللذان يقودان إلى النفاذ داخل الحياة الدالة تأسيسا لما سبق نستشف من خلال التوثر القائم بين الفهم والتفسير أن الرهان الحقيقي هو رهان نموذجية العلوم التجريبية بالنسبة للعلوم الانسانية، فإلى أي حد يمكن الاستفادة من هذا النموذج؟ ألا يتعلق الأمر بمشكل زائف؟

-III- مسألة نموذجية العلوم الانسانية:

إن الخلاف حول نموذجية العلوم الانسانية بدأ يظهر خلال القرن التاسع عشر عندما بدأت العلوم الطبيعية تستقر، حينما بدأت الدعوة إلى دراسة العلوم الانسانية دراسة موضوعية واختيار النموذج العلمي المناسب لذلك، واعتبار الظواهر الانسانية كجميع الظواهر الفيزيائية يمكن أن نعتمد في دراستها على المنهج العلمي.

ومن هنا بدأت تظهر وجهات نظر متعددة سواء تعلق الأمر بالموضوعات التي تناولتها العلوم الانسانية أو بالمنهج المناسب لها.

وإذا كانت العلوم الفيزيائية تتناول بناء المادة والقوى التي تعمل في هذه المادة، فإن العلوم الانسانية تتناول بناء  المجتمع والقوى التي تعمل فيه.

فما هو إذن النموذج العلمي الملائم للعلوم الانسانية؟ وهل يمكننا دراسة الظاهرة الإنسانية بنفس الكيفية التي ندرس بها الظاهرة الفيزيائية؟ أم هناك نموذجا آخر للعلمية مناسب لدراسة هذه الظاهرة، وإذا اعتمدنا المنهج العلمي كنموذج لدراسة الظاهرة الإجتماعية ألا يكون الأمر أصعب مما نتوقع باعتبار أن السلوك أو الفعل الإنساني هو فعل ذو معنى وبالتالي فالظاهرة الانسانية هي ظاهرة معقدة.

يضعنا النص الذي كتبه الفيلسوف والمنطقي المعاصر جان لادريير Jean Ladrière 1921 أمام إمكانيتين في تناول ودراسة الظاهرة الإنسانية، تتمثل الإمكانية الأولى في المنهج الذي يتبعه دوركهايم والذي يستمد جذوره من الفلسفة الديكارتية، ويندرج هذا المنهج في إطار ما يمكن تسميته بالمنهج أو الاتجاه الوضعي أو الطبيعي، هذا الأخير الذي يؤكد على وحدة المنهج بين كل من الظواهر الفيزيائية والظواهر الإنسانية معتبرا أن الشروط المنطقية المتوفرة في الظاهرة الفيزيائية تتوفر كذلك في الظاهرة الإنسانية، وبالتالي فالظاهرة الانسانية يمكن اعتبارها كشيء ودراستها دراسة موضوعية من خلال وضع ذات الباحث وما يرتبط بها من دلالات وقيم...بين قوسين.

في مقابل هذا الاتجاه نجد الاتجاه الذي يقر به الفيلسوف ماكس ڤيبيرWeber Max 1864، والذي يمكن تسميته بمنهج الفهم الذاتي الذي يهدف إلى فهم وتأويل الظاهرة الانسانية أو السلوك الإنساني من أجل الوصول إلى مسار هذا السلوك ونتائجه معتبرا أن كل سلوك هو ببساطة الأمر سلوك هادف، أي أنه يتجه نحو تحقيق أهداف وغايات معينة، ومن هنا يكون لكل سلوك إنساني غايات وأهداف تحددها الذات.

يقف جان لادريير موقف إشكال إزاء كلا التوجهين المعتمدين في دراسة الظاهرة الانسانية معتبرا أننا إذا اعتمدنا التوجه الأول (المنهج الوضعي)  ستكون إزاء تشييء الظاهرة الإنسانية، وبالتالي سنجدها من كل ما يرتبط بها من مقاصد ونوايا ودلالات وقيم وغايات التي تتحكم في الفعل الإنساني وتكون موجها له، وفي المقابل إذا اعتمدنا التوجه الثاني (منهج الفهم الذاتي) في دراسة السلوك الإنساني، ألا نكون متقيدين إزاء ذلك المنظور الذاتي وبالتالي نفتقد للموضوعية التي تسعى تحقيقها في كل دراسة.

يقف لادريير موقف تساؤل من كل ذلك ويعتبر أنه بإمكاننا أن نعتمد في دراسة الظاهرة الإنسانية والاجتماعية نموذجا للعلمية يختلف على نظيره في مجال العلوم الفيزيائية دون وضع تمييز بين الظاهرة الفيزيائية والإنسانية، وهذا المنهج يكون ملائما للظاهرة المدروسة، وإذا كان جان لادريير يقر بضرورة إيجاد نموذج للعلمية مناسب للظاهرة المدروسة وتكييفه معها، فإن الفيلسوف الفرنسي إدغار موران    Edgar Morin1921 ، يميز بين ضربين في المعرفة الانسانية، الخطاب السوسيولوجي الذي يطمح إلى بلوغ قدر أكبر من الموضوعية من خلال تحرره من الثقل الميتافيزيقي، واعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يحتل الصدارة بالمقارنة مع أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يمثل الصدارة بالمقارنة من أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، فهو يهتم بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر في الظاهرة المدروسة من خلال العلاقات السببية، مستبعدا كل ما يتعلق بشروط الملاحظة وكل ما يرتبط بذات الباحث، أي كل ما هو خارجي بالنسبة للظاهرة المدروسة.

وهناك خطاب سوسيولوجي آخر يتقابل مع النمط الأول من الخطاب السوسيولوجي، وهذا الخطاب يسميه إدغار موران بالسوسيولوجية الإنشائية فكيف يحددها لنا إدغار موران؟ وما مدى الصلاحية الإبستمولوجية للنموذج الفيزيائي في هذا النمط  من الخطاب السوسيولوجي والذي سماه بالسوسيولوجيا الإنشائية؟ وما هو الأساس الإبستمولوجي لهذا النوع من السوسيولوجيا؟ وما هو التصور الجديد الذي أعطاه موران من خلال هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي؟

يعتبر إدغار موران أن السوسيولوجية الإنشائية هو نمط من أنماط الخطاب السوسيولوجي المعاصر، لكنه لم يتحرر بعد من الثقل الميتافيزيقي والتأمل الأخلاقي، بل أنه لا زال محتفظا بالنظر التأملي في جوهر الموجودات ، فهو يفترض وجود ذوات أو قوى فاعلة تساهم وتؤثر في الظاهرة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق فلا يمكن اعتماده على النموذج الفيزيائي وبالتالي على المنهج العلمي مما يجعله يفتقر إلى الموضوعية.

إن هذا النمط من السوسيولوجيا تحضر فيه ذات الباحث بشكل كبير في موضوع البحث، لكن حضور الذات هنا ليس بالمفهوم الميتافيزيقي، فالذات تحضر بكونها أساسا بيولوجيا، هذا التغير في مفهوم الذات الذي دشنت له البيولوجيا يجعل من الإنسان موجودا يضع ذاته وسط عالمه وبالتالي فالإنسان يصبح متضمنا في الظاهرة المدروسة أي أنه يصبح ذاتا وموضوعا في آن واحد، ويتجاوز كل تعال عن عالمه الذي يعيشه .

ويخلص موران إلى أن السوسيولوجيا رغم تشبثها بالعلمية ومحاولة تطلعها للنموذج الفيزيائي فإنها تبقى مرتبطة بالذات حيث لا يمكن عزل الظاهرة أو الموضوع المبحوث ودراسته بصورة تجريبية هذا يعني أنه مهما حاولنا موضعة الظاهرة الاجتماعية فإن ذات الباحث تبقى حاضرة بشكل واع أو بدون وعي في الموضوع المدروس.

لكن هل هذا الوجود لذات الباحث في الظاهرة المدروسة قد يؤثر بشكل سلبي من الناحية الموضوعية؟ وكيف تساهم الذات في تحديد الوضع الإبستمولوجي للعلوم الانسانية؟

يعتبر كل من طولرا ووارنيي أن العلوم الانسانية حديثة النشأة (ق19) وأن مجالها اعقد من مجال العلوم الطبيعية، إذ أن هذه الأخيرة نعتمد في دراستها على التجربة الدقيقة الشيء الذي يجعلنا نخلص إلى نتائج يقينية، أما بالنسبة للعلوم الانسانية فإننا قد نجد بعض الصعوبات في ذلك، ومنه فإن حضور الذات داخل الظاهرة الانسانية أو حضورها كذات وموضوع في نفس الآن أمر يسهل علينا التعامل معها ودراستها، ذلك لان الذات تكون على علم كامل بكل ما يحيط بها وما يصيبها أحيانا من تناقض ومن تغيرات مفاجئة وتلقائية، ولذلك فإن الابستمولوجيا المعاصرة تركز بشكل كبير على حضور الذات في دراسة الظاهرة الانسانية، وذلك بهدف الإحاطة بشكل كامل بالموضوع .

يعتبر الفيلسوف موريس مرلوپونتي من خلال كتابه " فينومينولوجيا الروح" أن للتجربة الذاتية أهمية كبرى في دراسة الظاهرة الانسانية بحيث أن كل معرفة يتوفر عليها الفرد ويكونها عن العالم فهي معرفة ناتجة عن احتكاك الذات بهذا العالم ومدى تفاعلها داخله، هذا الأخير الذي يختلف من شخص لآخر حسب التجربة الفردية، ويخلص هذا الفيلسوف إلى أن اعتماد المنهج التجريبي في دراسة الظاهرة الانسانية هو حذف ونسيان للعالم المعيش، وللتجربة الذاتية ولذلك ينبغي العودة إلى الإنسان باعتباره مولدا للمعنى ويعيش في عالم رفقة الغير.

إن هذا النقاش الإبستمولوجي حول نموذجية العلوم الانسانية وحول مدى صلاحية المنهج العلمي في دراسة الظاهرة الانسانية وكذا تداخل الذات والموضوع في دراسة الفعل الإنساني، فرض ضرورة اتخاذ السوسيولوجيا والتعريف بها وتحديد منهجها وموضوعها للإحاطة بشكل أكبر بالظاهرة الانسانية، ومعرفة الصعوبات التي يواجهها دارسها.

VI- نموذج السوسيولوجيا:

           يمكن تصنيف العلوم إلى صنفين علوم طبيعية موضوعها الطبيعة كمادة أو كظاهرة جامدة أو كظاهرة حية وعلوم اجتماعية موضوعها الإنسان كفرد أو كعضو في جماعة أي علاقته بالآخرين وفي حالة اندماجه بالمؤسسات الاجتماعية التي يتأثر بها ويؤثر فيها وهذا الميدان يختص به علم الاجتماع باعتباره الدراسة المنسقة التي تدرس الإنسان ككائن اجتماعي لاكتشاف حقائق جديدة تكون قابلة للتحقيق من صحتها ويعبر عنها بواسطة قوانين. إلا أن الحديث عن علم الاجتماع كعلم قائم بذاته أي ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يطرح مجموعة من الإشكاليات سواء على مستوى بناء الموضوع أو على مستوى تحديد المنهج أو على مستوى المكانة التي تحتلها النظرية في علم الاجتماع، وتندرج هذه الإشكاليات حول إمكانية عملية العلوم الاجتماعية أو استحالتها ويمكن صياغتها في الأسئلة التالية:

·        ما هي طبيعة الظاهرة الاجتماعية؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان ذاتا وموضوعا في نفس الآن؟

·        ما هو المنهج المتبع في دراسة الظواهر الاجتماعية؟ هل يصبح الحديث عن التفسير كأس الدقة العلمية أم أن وظيفة علم الاجتماع تنحصر في فهم الظواهر لا في تفسيرها؟

·        ما هي طبيعة النظرية السوسيولوجية؟ وهل يمكن الحديث عن نظرية شاملة في علم الاجتماع؟

·        إلى أي حد يمكن تحقيق الموضوعية في علم الاجتماع وهل يستقيم الحديث عن خطاب علمي في دراسة الواقع الاجتماعي؟

أ‌-      موضوع علم الاجتماع:

إن الظاهرة الاجتماعية تختلف عن الظاهرة الطبيعية المتميزة بالثبات وبالوجود الخارجي المستقل عن الإنسان، فهي ظاهرة معقدة يتداخل أكثر من عامل في تحديدها، كما أنها ظاهرة واعية يتدخل فيها عنصر الوعي البشري ويؤثر فيها الشيء الذي كان وراء تأخر العلوم الاجتماعية، إلا أن الأمر يعتبر موضوع نقاش لدى علماء الاجتماع فريمون آرون يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الظاهرة الاجتماعية معتبرا أن أهم ما يميز علماء الاجتماع هو صعوبة تحديد موضوعهم إلا أنه يرى أن علم الاجتماع كعلم قائم بذاته يجب أن يتحرى الدقة والضبط العلمي كما يجب أن يحدد الظواهر التي تشكل موضوعه الخاص وتميزه عن باقي العلوم الأخرى كالعائلة والطبقة الاجتماعية والعلاقات بين أقسام الواقع السياسي والاقتصادي...وهذا ما أكده عالم الاجتماع الفرنسي إميل دور كايم حيث حاول إعطاء علم الاجتماع الطابع الخاص الذي يميزه وذلك من خلال تحديد معنى الظاهرة الاجتماعية كموضوع خاص بعلم الاجتماع، فدور كايم يرى أنه قبل البحث عن المنهج الذي يلائم دراسة الوقائع الاجتماعية يجب معرفة هذه الوقائع والتعامل معها كأشياء منفصلة عنا كأفراد واعين، كما يرى أن الظواهر الاجتماعية تتميز على السواء وليس للفرد الحق في اتباع هذا النظام الاجتماعي أو الخروج عليه، وأن المجتمع قد وضع الجزاء لكل من ينحرف سلوكه عما اقتضته طبيعة الحياة الاجتماعية، إلا أن موقف دور كايم من الظواهر الاجتماعية كأشياء مستقلة عن الذات الواعية قد أثار انتقادات كثيرة من طرف علماء الاجتماع مثل لوسيان غولدمان الذي ناقش تصور دور كايم وانتقد موقفه حول طبيعة بناء الظاهرة الاجتماعية معتبرا أن التعامل مع الظاهرة الاجتماعية كشيء يصعب تحقيقه من الناحية الإبستمولوجية نظرا لخصوصية هذه الظاهرة ولاستحالة تجرد الباحث في علم الاجتماع من المفاهيم القبلية والإملاءات اللاواعية.

        هكذا وانطلاقا مما سبق نجد تباينا واضحا في ضوء إشكالية الموضوع في علم الاجتماع فهناك من يقول بإمكانية تشييء الظاهرة كما هو الشأن في العلوم الطبيعية وهناك من يجد صعوبة في تحديد الظاهرة الاجتماعية بطريقة منهجية دقيقة نظرا لتداخل الذات بالموضوع في دراسة الواقع الاجتماعي الشيء الذي ينعكس بطريقة مباشرة على إمكانية تطبيق المنهج العلمي في العلوم الاجتماعية.

ب: منهج علم الاجتماع.

         لقد تبلور المنهج العلمي وتجدر في البحوث الفيزيائية والطبيعية قبل أن ينتقل إلى البحوث الاجتماعية لينتشر على أوسع نطاق، حيث بات أداة لفهم واقع المجتمعات وجسر وعلاج لمشاكلها وذلك بفضل محطاته التقنية التي من خلالها يتعامل الباحث مع الواقع كواقع أي كما هو لا كما ينبغي أن يكون ملاحظة أو تجربة أو مقارنة أو مقارنة أو استقراء فتعميم والمعجم الفلسفي العربي عرف المنهج بأنه "الطريق الواضح في التعبير عن شيء أو في عمل شيء تعليم شيء طبقا لقوانين معينة وبنظام معين بغية الوصول إلى غاية معينة" ويمكن القول بوجه عام أن المنهج أو المناهج هو الطريقة التي يسلكها الباحث للإجابة عن الأسئلة التي تثيرها المشكلة موضوع البحث، إلا أن تطبيق المنهج في البحث الاجتماعي يعتبر موضع نقاش بين علماء الاجتماع مما يفسر تعدد المناهج واختلافها وهنا مارسيل موس يرى أن المواضع تتعدد في علم الاجتماع بقدر ما تتعدد الموضوعات التي يدرسها الباحث الاجتماعي، فبالرغم من أن دوركايم حاول وضع المنهج الذي ينبغي لعلم الاجتماع أن يتبعه ألا وهو المنهج الوضعي فإنه من غير الممكن وضع صياغة نهائية أو منهج قار في علم الاجتماع ولحل إشكالية المنهج في علم الاجتماع نجد جون لادريير يقدم تصور إبستمولوجي يصرح فيه الاحتمالات الممكنة لحل هذه الإشكالية وذلك من خلال إمكانية تكوين نموذج جديد للعملية خاص بالعلوم الاجتماعية مادام أن باب تاريخ المعرفة العلمية لم يغلق وأن التاريخ لازال ينتظر من العلوم الاجتماعية خاصة والعلوم الإنسانية عامة إغناءه بتجربتها ومنهجها، وإذا كانت العلوم الطبيعية تطورت عبر اعتماد المنهج الرياضي فلا يعني هذا ضرورة انطباق هذا المنهج على العلوم الاجتماعية واعتباره منهج نهائي ومطلق بل يمكن للعلوم الاجتماعية أن تشكل نموذجا ثانيا للمعرفة من خلال مناهج وأدوات أصيلة للتحليل والبحث. ويمكن اعتبار المنهج التفهمي كنموذج ثاني للعملية في علم الاجتماع مع ماكس فيبر الذي يعتبر من أكبر علماء الألمان الذين أسهموا في إنشاء علم الاجتماع من خلال دراسته للأفعال والسلوكات الإنسانية بشكل يختلف عن دراسة الظواهر الطبيعية وهنا يأخذ فيبر بعين الاعتبار موقع الذات العارفة في دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها ظواهر غائية ومحدودة بهدف مقصودة وبحوافز ممكنة وتقبل أن تكون موضوع تأويل تفهمي. وماكس فيبر في هذه السوسيولوجيا التفهمية يفترض أنه بإمكاننا أن نجد في ذواتنا دوافع كل فرد إنساني وبالتالي فمهمة السوسيولوجيا هي الفهم بواسطة تأويل الفعل الاجتماعي لتمكن بعد ذلك من تفسير تطورات وتأثيرات هذا الفعل بطريقة علية ولا نقصد بالعلية من تشييء الظواهر بل تفهم المعنى الذي يعطيه الإنسان لسلوكه. وفي مقابل هذا المنهج التفهمي الذي يقوم على الفهم والتأويل نجد مع إيان كريب منهج مغاير يقوم على التحليل والتفسير في دراسة الفعل الاجتماعي وهناك نوعين من التفسير حسب إيان كريب تفسير آلي يفسر الظاهرة الاجتماعية بالرجوع إلى أسبابها الفاعلة أي بالرجوع إلى الشرط اللازم كحدوث الظاهرة المدروسة وتفسير غائي يأخذ بعين الاعتبار النوايا والغايات في تفسير أفعال الفاعلين فالإنسان لا يقوم بالفعل ولا يتخذ قرار إلا وفق حسابات ومقاصد معينة.

         بوجه عام يمكن القول أن هناك مقاربات متعددة وتصورات مختلفة تندرج في إطار النقاش الإبستمولوجي المعاصر حول إمكانية اعتماد المنهج التفهمي أو المنهج التفسيري فهناك من أكد على أهمية الذات في بناء المعرفة وهناك من فصل الظاهرة عن إطارها الذاتي إلا أن هناك موقف ثالث مع جان كلود بابييه يجمع بين الاتجاهين ويضع السوسيولوجيا في وضعية وسط بين الفهم والتفسير.

         هكذا يمكن القول ومن جانب آخر أن محاولة تحديد مناهج العلوم الاجتماعية بالرغم من اختلافها وممارستها في البحث السوسيولوجي هي أولا وأخيرا طريقة للأخذ بالتفكير في التعريف بالواقع الاجتماعي. وعليه وبالجملة فإن مناهج العلوم الاجتماعية هي ضرورة حياتية بالنسبة للمجتمعات وأداة للعلاج والإصلاح والتطوير سواء على مستوى الفكر أو على مستوى الواقع الاجتماعي.

ج- النظرية في علم الاجتماع.

         تعتبر النظرية وحدة أساسية في نسق التفكير العلمي، إذ لا وجود لعلم بغير نظريات علمية ولا يمكن أن يتطور بدون تنظيرات علمية. فالنظرية بمعناها العلمي مقولات ومفاهيم تكون في علاقة جدلية مع الواقع تتطور به ويتطور بها ويكون الواقع هو المحك العلمي لتأكيد مصداقيتها وعلميتها فهي "بناء تصوري يبنيه الفكر ليربط بين مبادئ ونتائج معينة" وإجمالا يمكن القول بأن النظرية هي ذلك الإطار التصوري القادر على تفسير عالم الظواهر والعلاقات بغاية البحث عن العلل والأسباب وفهم الواقع الاجتماعي. وفي مجال السوسيولوجيا نجد أن النظرية الاجتماعية بالرغم من التقدم الذي عرفته فهي تبقى قاصرة على الإحاطة بالظواهر الاجتماعية فقدرتها على التفسير والتنبؤ أقل مصداقية وصرامة من حال النظرية في العلوم الطبيعية ومن هنا نتساءل عن طبيعة النظرية السوسيولوجية وأشكالها.. بل وإلى أي حد يمكن تحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية؟

         لقد عرف علم الاجتماع نظريات سوسيولوجية متعددة وأنتوني غدنزيري أن مجال النظرية في علم الاجتماع هو مجال خصب وأن الطريقة التي تتم بها دراسة العالم الاجتماعي تختلف من عالم اجتماع إلى آخر فإذا اهتم ماركس بدور القضايا الاقتصادية في تفسير المجتمع فإن ماكس فيبر أخذ بعين الاعتبار دور الذات في تفسير السلوك الاجتماعي أما دوركايم الذي كان له أثر واضح في تطور النظرية السوسيولوجية فقد تعامل مع الواقعة الاجتماعية كشيء بعيدا عن كل الآراء الشخصية. هكذا نجد أن لكل من ماركس وماكس فيبر ودوركايم زوايا مختلفة الشيء الذي يفسر ظهور نظريات اجتماعية متباينة ومن أهمها حسب أنتوني غدنز المدرسة الوظيفية، نظرية الفعل الاجتماعي ثم الفاعلية الرمزية. وإذا أردنا أن نلقي نظرة حول هذه التوجهات النظرية لمعرفة خصائصها وحدودها يمكن أن نقول أن المدرسة الوظيفية أو التحليل الوظيفي يستند إلى فكرة الكل الذي يتألف من أجزاء. كل جزء يقوم بأداء دور وهو معتمد في هذا الأداء على غيره من الأجزاء الأخرى ومن هنا يقوم التكامل والتساند الوظيفي بين الأجزاء بعضها البعض أو بين الأجزاء والكل لتحقيق توازن هذا الكل واستقراره ومن ثم استمراره. ويعد دوركايم رائد المدرسة الوظيفية فهو يمثل المجتمع بالكائن العضوي ويرى أن أجزاء المجتمع تتكامل وتترابط كما هو الحال بالنسبة لأعضاء الجسم البشري لهذا يجب أن ننظر إلى الظواهر في إطار التفاعل والترابط بدلا من النظائر إليها كظواهر منفصلة، أي مدى إسهام أي عنصر اجتماعي أو ثقافي في بقاء المجتمع واستمراره وتكامله واستمراره ونأخذ كمثال هنا أن دور القلب في استمرار حياة الكائن العضوي شبيه بدور كل تكوينات المجتمع في استمراره ودوامه وكذا استقراره وتوازنه باعتبار أن التوازن الاجتماعي هو الحالة الطبيعية للمجتمع.

في اتجاه آخر يمكن أن نقول أنع إذا كانت المدرسة الوظيفية تنطلق من دور البنى والأنساق الاجتماعية في تحقيق التوازن الاجتماعي فإن نظرية الفعل الاجتماعي تؤكد دور الفعل والتفاعل بين أعضاء المجتمع في تكوين هذه البنى الاجتماعية وماكس فيبر في تعريفه للفعل الاجتماعي يؤكد على مستويين أو اتجاهين لفهم السلوك الاجتماعي وهما المستوى الفردي والمستوى الجمعي بمعنى فهم الفعل الاجتماعي من وجهة نظر الفرد صاحب هذا السلوك ومن وجهة نظر الفرد كعضو في الجماعة، فالفعل لا يصبح اجتماعيا إلا إذا ارتبط المعنى الذاتي الذي يعطيه الفرد للفعل بسلوك الأفراد الآخرين. وهنا تركز نظرية الفعل الاجتماعي على الأسلوب الذي يتفاعل به الأفراد فيما بينهم من جهة وفيما بينهم وبين المجتمع من جهة أخرى وعلى الدور الذي يلعبه الفعل الاجتماعي في تكوين البنى الاجتماعية. وقد تطور هذا التوقف بصورة منهجية على يد المدرسة التفاعلية الرمزية مع الفيلسوف الأمريكي ميد من خلال تأكيدها على اللغة والرمز باعتبار أن اللغة هي الوسيلة التي تمكننا من معرفة ذواتنا كما يرانا الآخرون وأن الرمز هو الأساس الذي تقوم عليه مجموع عمليات التفاعل بين الأفراد وهذا التفاعل يتم عن طريق تبادل رموز وإيماءات شفوية وغير شفوية متواضع عليها من طرف مجتمع معين. هكذا يمكن القول أن كل من المدرسة الوظيفية ونظرية الفعل الاجتماعي والتفاعلية الرمزية لها منظورها الخاص في دراسة المجتمع يختلف بشكل أو بآخر عن النظريات الأخرى وهذا الاختلاف حسب أنتوني غدنز لا يعبر عن مواطن الضعف في علم الاجتماع بل هو دليل على خصوبة النظريات السوسيولوجية وحيويتها ومهما اختلفت هذه النظريات فإن علماء الاجتماع يتفقون على أن الباحث يجب أن يضع حدا لآرائه الشخصية وأن يتعامل مع الظواهر بشكل موضوعي لكن هذا لا يعني أن علم الاجتماع هو جهد فكري تجريدي بل يرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع وبالمواقف التي يواجهها الفرد في حياته. وإجمالا يمكن القول أن العلاقة بين النظريات السوسيولوجية هي علاقة ترابط وتكامل فميرتون عندما يتحدث عن التاريخ المعاصر للنظريات السوسيولوجية يتحدث عنه من توجهين مختلفين الأول ينطلق من بناء نظريات شاملة عن طريق صياغة قوانين سوسيولوجية وتعميمها على الظواهر الاجتماعية دون الاهتمام بالملاحظات الجزئية أو المستويات الصغرى من الواقع الاجتماعي والثاني يعتمد على بحوث جزئية حول وقائع مخصصة والتأكد من صحتها عن طريق الملاحظة والاختبار. هكذا نجد أن ميرتون يلخص تاريخ النظرية السوسيولوجية في اتجاهين هما السوسيولوجية الشمولية والنظرية الاختبارية وكل من هذين التوجهين يعطينا نظرة عن طبيعة النظرية السوسيولوجية وكذا طبيعة علم الاجتماع باعتباره يجد صعوبة كبيرة في تطوير نظرية شاملة وقارة وأمام هذا التعدد النظري نجد إيان كرين يفكر في النظرية الاجتماعية ضمن تصور إبستمولوجي ينظر إليها من خلال أربعة أبعاد: بعد معرفي بوصفها أداة لمعرفة العالم الاجتماعي وعاطفي تتدخل فيها التجربة الشخصية للمنظر الاجتماعي باعتباره إنسان إضافة إلى كونه عالم اجتماع يؤثر في الواقع الاجتماعي ويتأثر به مما ينعكس على طبيعة تصوره للواقع ثم تأملي بوصفها جزء من الحياة تعكس ما يوجد خارج المجتمع وداخله وأخيرا بعد معياري لا تقتصر على ما هو كائن بل على ما يجب أن يكون. وكل هذه الأبعاد الأربعة تساهم في بناء النظرية السوسيولوجية وذلك لفهم واستكشاف مناحي الحياة. وفي نفس السياق نجد بيار أنصار يحاول بدوره توضيح الجدل القائم حول صحة علمية العلوم الاجتماعية وصحة النظريات والنتائج المتوصل إليها. من خلال التمييز بين ثلاثة أبعاد في النظرية السوسيولوجية وهي البعد الإبستمولوجي والبعد النظري والبعد المنهجي أي من خلال معرفة الشروط العلمية لإنتاج المعارف والنظريات العلمية ومدى صحة محتواها النظري وتقنياتها المنهجية.

         بالرغم من التقدم الذي عرفته النظرية الاجتماعية فإنها تبقى قاصرة على الإحاطة بالظواهر الاجتماعية  موضوع البحث فقدرتها على التفسير والتنبؤ أقل مصداقية وصرامة وبالتالي أقل يقينية من حال النظرية في العلوم الطبيعية  بل هناك من يعتبر النظرية في العلوم الاجتماعية مجرد تقليد نظري لمفهوم النظرية في العلوم الحقة ومثل هذا القول لا يطعن في الصفة العلمية للنظريات الاجتماعية ولا في صحة النسبية لحقائقها التي تبقى مقتصرة على الظواهر المدروسة وأزمنتها وأمكنتها وسواء كانت النظرية في ميدان العلوم الاجتماعية تفسيرا أو تفهما فإنها تظل محاولة لتكوين صورة أو نموذج عقلي للواقع الاجتماعي المعقد بطبيعته.

 -״- تخــــريج عـــــام-״-

                                            رهــــانــات

 بناء على ما سبق يمكن القول أن المعرفة العلمية بالإنسان شكلت مكسبا حضاريا جعل  الإنسان يصبو إلى التعرف على أبعاد وجوده الاجتماعي والنفسي وكذا التاريخي، كما يرمي إلى بناء حقيقة علاقته مع ذاته ومع الغير والعالم. كما لعبت المعرفة دورا أساسيا أو جوهريا إن صح التعبير في تحرير الإنسان وتخليصه من بعض الأوهام ثم كسر المألوف والخروج عن المعتاد أي تحطيم زجاجة الظلال والدغمائية، خصوصا مع تبني نموذج العلوم التجريبية الذي أثبت نجاحه، بيد أن تبني النموذج يطرح سؤال إمكانية استيعاب الإنسان فعليا داخل نظرية علمية هنا يتبادر إلى أذهاننا بعض التساؤلات لا يمكن طرحها في هذا السياق على المنوال التالي

ألا يمكن القول إن معرفة الإنسان بذاته وبغيره تنقلت من القياس والتنبؤ؟ وإذا كان العلم الموضوعي قد تجاهل الإنسان ونسي المعيش، فهل نعتبر هذا النسيان أو التجاهل مبررا كافيا لرفض العلم التجريبي ومناهجه؟ هل نتحفظ بشأنه أم نطلبه بدعوى قدرته على الفهم والتفسير؟

إن مجتمعنا اليوم، هو في حاجة أكثر من أي وق مضى إلى أن يعرف نفسه علميا وموضوعيا، لكن ألا تواجه هذه الحاجة الملحة إلى اليوم، عوائق ثقافية وإيديولوجية؟ ما مكانة العلوم الانسانية في ثقافتنا؟ أين تتجلى صور ومظاهر هذه العلوم؟ هل يمكننا أن نستنتج معرفة علمية ببنية مجتمعنا المغربي؟

درس السعادة

درس السعادة
 
السعادة
محاور الدرس

1) تمثلات السعادة.

2) البحث عن السعادة.

3) السعادة و الواجب.

تـقـديـــم:

     ليس يخفى، أن الفلسفة تنقسم إلى ثلاثة مباحث كبرى وهي : مبحث المعرفة ومبحث الانطولوجيا ومبحث القيم . ويطرح كل واحد من هذه المباحث جملة مفاهيم وإشكالات. ومن بين جملة تلكم المفاهيم التي يطرحها مبحث القيم، نلفي مفهوم" السعادة ". فما هي دلالة هذا المفهوم ؟

 الدلالة المتداولة:

    يتباين الناس في تمثلهم للسعادة، فمنهم من يرى السعادة في الصحة ، ومنهم من يراها في المال، ومنهم من يراها في الصداقة، ومنهم من يراها في راحة البال، ومنهم من يراها في تلبية كاملة للرغبات، وتحقيق المتعة في شتى أشكالها … والعلة في اختلاف الناس في تمثلهم للسعادة هو جانب النقص الذي يعاني منه كل إنسان، فالفقير يرى السعادة في المال، والمريض يرى السعادة في الصحة، والأعزب يرى السعادة في الزواج وهكذا…

   هذا، ويلفت الانتباه في تمثلات الناس للسعادة، أنه يغلب عليها الجانب المادي الذي يقترن بما هو إرضاء للحواس.

 الدلالة اللغوية :

 أ‌-     لسان العرب : ابن منظور  

     جاء في" لسان العرب" : سعد السعد بمعنى اليمن، وهو نقيض النحس. والسعود خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة . ونقول سعد يسعد سعدا وسعادة فهو سعيد ، نقيض شقي والجمع سعداء .

ويشتق من نفس الجدر ثلاثة ألفاض تشترك في نفس المعنى وهي : الساعد  والسعدان والسعد.

فلفظ الساعد يدل أولا، على ساعد الإنسان أو الطير أو القبيلة : فساعدا الإنسان ذراعاه  ، وساعدا الطائر جناحاه ،وساعد القبيلة رئيسها. ويدل ثانيا، على مجرى المياه ، فسعيد المزرعة نهرها الذي يسقها. ويدل ثالثا ، على مخرج اللبن في الناقة . أما لفظ السعدان فيدل على نبات ذي شوك من أطيب مراعي الإبل. وأما لفظ السعد فيدل على الطيب ذي الرائحة الزكية.

إن ما يمكن استنتاجه من هاته الدلالات هو :

أولا : اقتران السعادة بالإرضاء و الارتواء. فالنهر الذي يسقي المزرعة يرويها، ولبن الناقة يروي ويشبع صغيرها، ومنبت شوك النخل يشبع جوع الإبل، والطيب يشبع النفس برائحته العطرة.

ثانيا : اقترانها  بالعضوين اللذين يدبران الجسد، وهما: الساعدان.

ومن هنا يكتسب اليمن دلالتين :

 الأولى : تشير إلى ما هو مادي محسوس، وتتمثل في الإرضاء والإشباع.

 الثانية : تومئ إلى ما هو عقلي، وتتمثل في التدبير، فعمدة المدينة وساعدها هو رئيسها وعقلها المدبر لشؤونها والمسير لها نحو ما هو أفضل لها. ولا يمكن في هذا السياق تصور سعادة بدون تعاون واجتماع.

    يتضح من كل ما سبق، أن التعريف اللغوي للسعادة  قد وسع من دلالتها، بشكل جعلها تنفتح على عنصر لا مادي، من طبيعة عقلية واجتماعية وسياسية تتعلق بالتفكير والتدبير.

  الدلالة الفلسفية :

 أ- المعجم الفلسفي : جميل صليبا [1]

    السعادة هي الرضا التام بما تناله النفس من الخير. والفرق بينها وبين اللذة أن السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأن رضا النفس بها تام. إذ من شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما. في حين أن" اللذة " حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن رضا النفس بها مؤقت .

   وإذا كانت السعادة هي حالة إرضاء وإشباع وارتياح تام للرغبات يتسم بالثبات، فانه متى سمت إلى مستوى الرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر، أصبحت غبطة . و إن كانت هذه أسمى وأدوم.

وللفلاسفة في حقيقة السعادة آراء مختلفة: فمنهم من يقول إن السعادة هي في إتباع الفضيلة (أفلاطون)، ومنهم من يقول إنها في الاستمتاع بالملذات الحسية المدرسة (القورينائية)، أما أرسطو فانه يوحد الخير الأعلى و السعادة ، ويجعل اللذة شرطا ضروريا للسعادة لا شرطا كافيا. وعين الأمر يقول به أبيقور الذي اعتبر اللذة هي غاية الحياة ، وان كان هو يقيم فروقا بين اللذات. أما الرواقيون فإنهم يرجعون السعادة إلى الفعل الموافق للعقل، وهي- أي السعادة- في نظرهم غير ممتنعة عن الحكم ، وان كان طريقها محفوفا بالألم .

 ب‌- موسوعة لالاند الفلسفية : أندريه لالاند [2]

  السعادة هي حالة رضا تام تستأثر بمجامع الوعي .

 السعادة هي إرضاء كل الميول وإشباعها.

     يتبدى لنا من كل ما سبق، أن مفهوم السعادة تتداخل فيه دلالات متباينة قاموسية وفلسفية وتمثلية .كما يلوح لنا أن هذا المفهوم تتقاطع فيه حقول مختلفة بيولوجية واجتماعية وسياسية وميتافيزيقية وسيكولوجية . فضلا عن أنه يتاخم جملة من المفاهيم الفلسفية الأساسية:  كاللذة و الألم والفضيلة والخير الأعلى والعقل والنفس والسياسة والعدالة والخيال و الفطرة و المحاكاة و الواجب والغير       و الإرادة …

   هذا، ويطرح مفهوم السعادة جملة من الإشكالات من أهمها : ما هي السعادة؟ هل طلب السعادة غاية كل الناس ؟ ولماذا ؟ هل نطلب السعادة من أجل ذاتها أم من أجل أشياء أخرى ؟ ولماذا؟هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وبأية وسائل ؟ ما هي علاقة السعادة بالواجب ، هل هي علاقة تكامل أم علاقة    إعاقة ؟ بمعنى أخر هل تكمن السعادة أساسا في أن نفعل ما نريد أم في انصياعنا للواجب والقانون  ؟  هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير أم هما معا ؟

كل هذه الإشكالات التي أثارها مفهوم السعادة و أخرى، سنحاول التعرف على إجابتها من خلال نصوص بعض الفلاسفة الذين تناولوا هذا المفهوم تحديدا واستشكالا…

 المحور الأول : تمثلات السعادة

   تـقــديــــم :

       يختلف الناس و الفلاسفة على السواء في تمثلهم للسعادة. فالعوام يربطونها بالثروة و الجاه       و النفوذ  و تحقيق المتعة في شتى أشكالها و عموما يمكن القول أن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة الجسدية. أما الفلاسفة فهم أيضا يختلفون في تمثلهم للسعادة ،فمنهم من يراها في علاقتها بالفضيلة و التأمل العقلي و منهم(فلاسفة الإسلام) من حاول التوفيق بين التأمل العقلي و ما هو ديني أي السعادة الاخروية ، و هناك من يرى أن كل هذه التمثلات حسية و جزئية ، أما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق ". و هناك من الفلاسفة من يعتبرها فردية و منهم من يعتبر أن السعادة لا تكون إلا داخل     دولة . و آخرون يقولون بأنه من المستحيل أن نستدل على وجود السعادة بل يجب أن نعمل على تحصيلها فهي ممارسة .

 أمام هذا التعدد في تمثل السعادة نجد انه لابد من طرح بعض الإشكالات :    
*هل السعادة  ممكنة ؟

* هل يمكن أن نستدل على وجودها ؟

*هل هي غاية كل الناس ؟

*هل يمكن بلوغها ،و بأية وسائل ؟

*هل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى ؟

 الموقف الأرسطي :

        إن الغاية من السياسة باعتبارها ،هي تحقيق الخير الأسمى الذي هو السعادة  و هذا النعت للخير الأسمى بالسعادة يشترك فيه كل من العامي و الفيلسوف  «فالعامي كالناس المستنيرين يسمي هدا الخير الأسمى سعادة»[3] إلا انه و على الرغم من هدا الاتفاق فإننا نجد أن هناك بونا شاسعا في تمثل المفهوم بين العامي و الفيلسوف و« انقسام الآراء هذا مرده إلى الاختلاف بشان طبيعة السعادة و أصلها» [4] فمتمثلات السعادة لدى الطبائع العامية تختلف من شخص لآخر فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال  و العاشق يراها في الزواج من معشوقته . « إنها ليست إلا شيئا نافعا     و مطلوبا لأشياء أخرى غير ذاتها» .[5]

     أما الفيلسوف فهو يرى عكس ذلك فالسعادة عنده هي غاية بل غاية الغايات و هي تطلب لذاتها  «ينبغي وضع السعادة بين الأشياء التي تختار من اجل ذاتها إذ هي قائمة بذاتها» [6] و كل الأشياء الأخرى إنما تطلب كوسيلة لتحقيقها« كل ما يمكن تصوره إنما يطلب من اجل ما عداه إلا السعادة إذ هي غاية بحد   ذاتها » [7]

     وعموما يمكن القول أن التمثل العامي يختلف عن تمثل الحكماء دلك أن التمثل العامي يغلب المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة لدلك يرى أرسطو انه« لا يوجد    ..إلا ثلاثة صنوف من العيشة يمكن على الخصوص تمييزها .أولها هده العيشة التي تكلمنا عليها انفا (عيشة العوام) ،ثم العيشة السياسية أو العمومية ،و أخيرا العيشة التأملية و العقلية»  و يرتبط بكل نوع من هده العيش ثلاث أنواع من السعادة، فأما  العيشة الحسية وهي سعادة اللذة الجسدية ، لذة الطعام والشراب والجنس وهي لذة يشترك فيها الإنسان والحيوان ، وهي سعادة وقتية ولو طلبت لذاتها لأدى ذلك الإسراف فيها ، ثم إلى فقد الإحساس باللذة ثم تنتهي إلى الألم والمرض ، فتحققها ليس من السعادة بشيء ، أما الثانية فهي السعادة السياسية مطلوبة من الكثير من الناس ، ولكنهم ما يلبثوا أن يشعروا بالتعاسة عندما يفقدوا مراكزهم ، ويعرفوا أن الناس كانوا يعظمونهم لأجل الوظائف التي يمثلونها وليس لأشخاصهم ، كأن هذه السعادة وقتية وهي متوقفة على الناس يمنحونها ويسلبونها وفقاً للمركز الشخصي لا للقيمة الذاتية ، إذاً هي ليس خير في حد ذاتها وليس دائمة فقد يعقبها الإهمال والتحقير . السعادة الثالثة هي السعادة العقلية فهي التي ترمي إلى تحقيق الفضيلة باعتبار أنها العمل بمقتضى الحكمة ، والحكمة ملكة عقلية تكتسب بالتمرين والتعود على طلب الحق والخير الصحيح وفضائل الحكمة عملية ونظرية ، وتبين لنا الحكمة العملية أن الفضيلة قوة تكتسبها عن طريق ممارسة أعمال تتوفر فيها الإرادة الحرة والمعرفة والنزوع إلى الخير . وإذا بحثنا عن الفضائل نجد أنها تقع في الوسط ما بين المغالاة " الإفراط " والتقصير "التفريط " مثل الشجاعة وسط بين رذيلتين هما التهور والجبن ، والكرم وسط بين الإسراف والبخل والعدل وسط بين المحاباة والظلم ، وتحكم العقل والإرادة في تعيين الفضيلة يتم عن طريقهما الممارسة الواقعية للفضيلة ، فإذا عود الإنسان نفسه أن يتلمس الفضيلة دائماً ويقوم بها فإنها تصبح طبيعة فيه يتجه إليها من دون تردد وبذلك تتحقق له السعادة .

 موقف ابن مسكويه :

    يحاول ابن مسكويه تقديم التمثلات السائدة عن السعادة لدى كل من الحكماء و العوام و هو اد يُفصل في هدا فيقول إن الحكماء من أمثال فيتاغورس و بقراط و أفلاطون لما قسموا السعادة جعلوها كلها في قوى النفس ،أي القوى الثلاث : القوة الغضبية،القوة الشهوانية ،و القوة العاقلة القوة الشهوانية التي تحرك الإنسان إلى ما يشتهيه أو يجذبه من الملذات والخيرات. والقوة الغضبية التي تحركه إلى "الغضب" عدوانا أو دفاعا أو نجدة. والقوة الناطقة العاقلة وهي التي يحصل بها التمييز والروية والتفكر. ولكل من هذه القوى فضيلتها: ففضيلة النفس الشهوانية العفة، وفضيلة النفس الغضبية النجدة، وفضيلة النفس العاقلة الحكمة. ومن اعتدال هذه الفضائل الثلاث ومن نسبة بعضها إلى بعض تحدث فضيلة رابعة هي كمالها وتمامها وهي العدالة و اجمعوا على أن« هده الفضائل هي كافية في السعادة  و لا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن و ما هو خارج البدن»[8] و بالتالي فالسعادة عندهم هي سعادة نفس و« سائر الأشياء الخارجة عنها ،فليست عندهم بقادحة في السعادة البتة»[9]

    أما الرواقيون فجعلوا السعادة في النفس غير مكتملة إذا لم تقترن بالجسد أو حتى ما هو خارج الجسد هدا بخلاف المحققين من الحكماء الدين لا يربطون السعادة بما هو خارج الجسد فيعتبرونها تابثة لا تتغير و لا يلحقها زوال و لاتغيير .   

أما العامة فتختلف طبائعهم في تمثل السعادة بحسب حاجياتهم ،فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال والغريب في العودة لوطنه و عموما يمكن القول إن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة . و الحكماء يرون أن كل هذه التمثلات سعادة   و لكن شريطة أن تكون «عند الحاجة و في الوقت الذي يجب و كما يجب و عند من يجب، فهده سعادات كلها، و ما كان منها يراد لشيء أخر ؛فلذلك الشيء أحق باسم السعادة »[10] فالمريض مثلا يجد السعادة فيما يحتاج إليه و هي الصحة .

 موقف الفارابي :

      لما كان المقصود من الوجود الإنساني بلوغ السعادة عن طريق إدراك المعقولات او المبادئ التي يتاسس عليها وجود الكون و الإنسان ثم كانت هده المعقولات لدى جميع الناس أصحاب الفطر السليمة و التي  « يسعون بها نحو أمور و افعلا مشتركة لهم ؛ ثم بعد دلك يتفاوتون و يختلفون فتصير لهم فطر تخص كل واحد و كل طائفة »[11] لزم عن اختلاف الفطر عدم قدرة كل إنسان على أن يعلم من تلقاء نفسه السعادة و لا ان يعملها ،فوجب بدلك ضرورة وجود معلم أو مرشد يرشده إلى الكيفية التي تمكنه من ان يجعل السعادة غايته ثم « يعلم الأشياء التي ينبغي أن يعملها حتى ينال بها السعادة»[12]     و تبعا لاختلاف الفطر جب على المعلم أن يسلك طرقا مختلفة باختلاف الطوائف و الأمم ،فقد يتم ذلك بطرقة نظرية خالصة (الخاصة) أو بطريقة تعتمد على المحاكاة كفن للتبليغ  و التخييل (العامة).

 الموقف الأفلاطوني :

      ليست السعادة حسب أفلاطون شأنا شخصيّا بقدر ما هي قضيّة تتعلّق بالمدينة ككلّ وبالتّالي لا يمكن تحقيق الكمال إلاّ في مدينة محكمة التّنظيم. «إننا لم نستهدف في تأسيس دولتنا جلب السعادة الكاملة لفئة معينة من المواطنين و إنما كان هدفنا أن نكفل اكبر قدر ممكن من السعادة للدولة بأسرها »[13]  السٌعادة بالنٌسبة لأفلاطون عندئذ هي سعادة المدينة ككلٌ والتي تتحقٌق بالانسجام بين جميع أطرافها وشرائحها، فكما يجب أن يوجد انسجام في الفرد بين النٌفس العاقلة والنٌفس الغضبيٌة والنٌفس الشهوانية. فإنٌ المدينة كذلك يجب أن تنقسم إلى حرٌاس يسيٌرون شؤونها العامٌة وجنود يسهرون على الأمن ورعيٌة تقوم بالأعمال الأخرى الضٌروريٌة مثل الفلاحة والصٌناعة….إلخ. أما إذا لم يحترموا هدا النظام فإننا  « نحض حراسنا و حماتنا بالوعد أو نرغمهم بالوعيد كما نفعل مع غيرهم من المواطنين على أن يؤدوا على خير وجه ما يصلحون من الوظائف»[14] فبدلك تتحقق العدالة و تزدهر الدولة     و بازدهار هده الأخيرة« وعندما تزدهر الدولة بأسرها... نترك لمكل طبقة أن تتمع بالسعادة على قدر ما تؤهلها لذلك الطبيعة »  [15]

 الموقف الكانطي :

       يحاول كانط في كتابه " أسس ميتافيزيقا الأخلاق " و بالضبط في النص الماثل أمامنا أن يحدد العلاقة التي تربط السعادة بالعقل و الخيال . بمعنى هل نتمثل السعادة بالعقل أم بالخيال. و كمحاولة للإجابة عن هدا السؤال يرى كانط أن تصور السعادة لا يمكن أن يكون بالعقل بل بالخيال،كيف ذلك ؟       إن "جميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة ..لزم أن تستعار من التجربة " إما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق " ما معنى ذلك؟

     إن أمر السعادة ينصب على الوسائل الضرورية لانجاز هده الغاية ،ذلك لأنه ينجم تحليليا من الغاية التي يسعى إليها الإرادة ،تبعا للصيغة التي غدت قولا مأثورا :من يروم الغاية ،يروم الوسائل (تبعا  للعقل)اللازمة للوصول إليها و التي هي في مقدوره و بالتالي فجميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة هي في جملتها عناصر تجريبية ،أي انه يلزم أن تشتق من التجربة . أما عندما نريد أن نتحدث عن فكرة السعادة فإننا نحتاج إلى كل مطلق ،إلا أننا نجد انه من المستحيل للإنسان ككائن متناه ،محدود بحدود التجربة « أن يكون لنفسه تصورا محددا لما يبغيه هنا على الحقيقة »[16] هل يريد حياة طويلة ؟ فمن يضمن له إلا تكون شقاءا طويلا و بالتالي فمن الصعب عليه أن حدد كيف يكون   سعيدا . فليس ثمة في هذا الشأن أمر يمكنه أن يقرر بالمعنى الدقيق للكلمة أن نفعل ما يجعلنا سعداء « دلكم لان السعادة هي مثل أعلى لا للعقل بل للخيال»[17]  فلا يمكن انطلاقا من نتائج هي في الواقع لامتناهية أن نعطي تحديدا للسعادة .  

 موقف ( إميل شارتي) ألان :

       يعتبر ألان أن الأمل في السعادة هو السعادة ،ألان أن الأمل في السعادة لا يعني أن ننتظر السعادة لتأتي الينا و صوبنا ،ولا يعني كذلك استحالة الحصول عليها او بلوغها ،و لا انها وهم ،بل يعني هدا أن  " نعمل على تحصيلها الآن[18] دلك أن « السعادة ليست شيئا نطارده بل هي شيء نتملكه ،و خارج هدا التملك فهي ليست سوى لفظ»  [19]  إلا أن هدا التملك للسعادة مشروط بالرغبة في أن نكون سعداء ،لدلك يجب على المرء « أن يطلب سعادته و أن يصنعها »[20] إن ألان يؤكد هنا وخاصة في كتابه                             "PROPOS SUR LE BONHEUR"  ان السعادة لا تتوقف على العالم الخارجي او المحيط بالشخص و إنما  يتوقف على الشخص ذاته  أي أن فعل السعادة لا يتحقق إلا بالإرادة .دلك أن تحقيق السعادة لا يتأتى إلا بالصراع ضد المعيقات التي تحول دون ذلك و لا يجب الاعتراف بالهزيمة طالما لم نتجاوز هذه المعيقات .*[21]



المحورالثاني : البحث عن السعادة.

   تـقــديــــم :

      يطرح هذا المحور الثاني من درس السعادة،إشكالين اثنين رئيسيين وهما :  بأي شكل تكون السعادة ممكنة ؟ أو بعبارة أخرى هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وإذا كان الجواب بالاجاب ، فما السبيل إلى تحقيقها ؟ وعن هذين الإشكالين الرئيسيين تتفرع جملة من الإشكالات الفرعية : هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟ ما علاقة السعادة بالزمن ؟ هل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟ وما علاقتها بالفنون والذوق؟…

 موقف سينكا :

    يطرح سينكا في هذا النص إشكال ماهي الكيفية أو الوسيلة التي من خلالها يمكننا تحقيق الحياة السعيدة ؟ فإذا كانت السعادة هي مبتغى الناس أجمعين في هذه الحياة ، فما هي الكيفية التي بواسطتها نستطيع أن نحصلها؟ بيد أنه لاحظ أنه بمجرد ما يطرح هذا السؤال حتى تختلط علينا الأمور. وحتى يزول هذا الخلط على الإنسان- في نظر سينكا- أن يحدد هدفه بكل دقة، ثم بعد ذلك ينظر في كل الاتجاهات عن السبيل الكفيل بأن يقوده إلى تحقيق هدفه بأقصى سرعة، هذا الطريق أو السبيل الذي ينبغي أن يكون مستقيما حتى نتمكن من أن نعرف كل يوم كم تقدمنا وكم اقترفنا من هدفنا ، هذا الهدف الذي تدفعنا نحوه الرغبة اللازمة لطبيعتنا. و حتى نتمكن من اختيار الطريق المستقيم  الذي وحده سيقودنا إلى تحقيق هدفنا علينا أن نستعين بإنسان خبير أو مرشد حكيم يكون سبق له وأن  اختبر الهدف الذي نقصده . هذا ، ويحذرنا سينكا عند عزمنا  السفر بحثا عن السعادة أن نسلك الطريق الأكثر استعمالا. إذ هو الأكثر تضليلا ،وما هذا السبيل الأكثر استعمالا إلا طريق أو سبيل العامة,بل بالضد من ذلك، علينا أن نبتعد عن طريق المحاكاة ،أي الاستقلال عن الطريق الذي تتبعه العام في تحصيل السعادة وإتباع طريق" العقل". [22]

 موقف أبيقور :

     إن المتأمل في هذا النص بأجل نظر وأدقه، يتبدى له أن أبيقور يطرح فيه قضية السعادة  في علاقتها بمبدأ اللذة .هذه القضية التي يمكن صوغها في اشكلين اثنين وهما: هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟

   يجيب أبيقور عن الإشكال الأول بالا جاب فيقول : " إن اللذة هي مبدأ الحياة السعيدة وغايتها ". بمعنى أخر أن تحقيقنا للذاتنا، وتجنبنا للألم- كما سيذكر في موضع آخر من النص-هو ما يجعلنا سعداء . وبهذا تكون السعادة عند أبيقور هي:" لذة تلحق النفس والجسد ". لكن، دون أن  يعني هذا أن كل ا لذات تحقق لنا السعادة - من وجهة نظر أبيقور- . إذ من الذات ما يكون مفعولها عكسيا ، بمعنى أنه عوض أن تحقق لنا السعادة تتسبب لنا في الألم . والعكس صحيح ، فمن الآلام ما يكون وراء الصبر عليها تحصيل لذة أعظم. ومن هنا  فلا ينبغي علينا أن نبحث عن كل اللذات وبالمقابل علينا ألا نتجنب كل ألآلام . هذا، ويشدد المذهب الأبيقوري على فضيلة القناعة ،أي أن نقنع بما نملك وان كان قليلا . إذ المتعة التي نجدها في تناول الطعام البسيط، ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أن يزول ألألم المتولد عن الحاجة . فقليل من خبز الشعير والماء يجعنا نشعر بلذة عظيمة إذا كانت الحاجة إليهما شديدة. والى جانب تشديده على فضيلة القناعة يؤكد أبيقور على العيش البسيط، دونما أن يعني ذلك التقشف. فالقناعة و العيشة البسيطة لهما أفضل ما يضمن لنا الصحة الجيدة ، وما ييسر لنا الاستجابة لمتطلبات الحياة الضرورية، كما أنهما يجعلننا عند وجودنا أمام ما لذ وطاب من الأكل، قادرين على التمتع بذلك حق التمتع. فتناول ما لذ وطاب من الأكل يوميا ينقص من لذة تمتعنا به. فضلا عن أن تشبثنا بفضيلة القناعة والعيشة البسيطة يجعلننا لا نخشى تقلبات الدهر .[23]

 موقف  شوبنهاور:

      يطرح شوبنهاور في هذا النص إشكالين وهما : ما هو الأصل في هذا العالم؟ أهو الألم و العذاب أم المتعة و الإشباع ؟ وهل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟

    يعتبر شوبنهاور أن حقيقة هذا العالم أو ماهيته هي الألم والعذاب و الحرمان ، أي أن الأصل في الحياة هو الألم والحرمان أم الإشباع و البهجة فهما ليسا سوى أمل عابر أمام الألم والعذاب والشقاء الدائمين. وشوبنهاور ينعت هذه السعادة غير الدائمة العابرة اللحظية بالسعادة" السالبة" ، لأنه سرعان ما يعقبها :"إما شرا مستجدا وإما فتورا وانتظارا" لسعادة لحظية عابرة أخرى .وإذا كان الأمر هكذا، فان هذا ما يفسر لنا عدم اكترتنا بما لدينا من ممتلكات وامتيازات ،لأن السعادة التي تمنحنا إياها ليست سوى إعفاءا لنا من بعض العذابات. ويدلل شوبنهاور على أطروحته بالفن وبخاصة الشعر، حيث نجد موضوع القصيدة الملحمية أو المأساوية لا يمكن أن يكون سوى شجارا أو جهدا أو معركة . وهذه المواضيع كلها تمثل الألم والشقاء الذي يتحمله الإنسان في سبيل تحقيقه سعادة سالبة، أي سعادة لحظية عابرة.

ومن كل ما سبق، نخلص إلى أن الأصل في الحياة بحسب شوبنهاور هو الألم والشقاء، وأن السعادة هي مجرد لحظات عابرة ، تتخلل بين الفينة و الأخرى هذا المسير من الألم والعذاب الذي يحكم حياتنا كلها.[24]

 موقف دافيد هيوم :

    يعالج دافيد هيوم في هذا النص إشكال علاقة السعادة بالفنون والذوق .إذ يميز هو بين نوعين من الرهافة :" رهافة الإحساس" و"رهافة الذوق".

   فالأفراد الذين لهم رهافة في الإحساس يكونون بالغي الحساسية تجاه عوارض الحياة وحوادثها، فأنت تجدهم فرحين بالحياة مقبلين عليها كلما كان هناك أي حدث طيب يمسهم . وبالضد من ذلك شديدي التألم عندما يمسهم ما يحزنهم. وعين الانفعالات التي يحس بها من لديه رهافة الإحساس عند مصادفته لحدث طيب أو لحدث مؤلم، يشعر بها من لديه "رهافة الذوق"، عند مصادفته كل جمال أو قبح أو تشوه . فلما نقدم له قصيدة شعرية أو لوحة فنية، فان رهافة ذوقه تجعل كل جوارحه ترتعش أمام ما يقدم له ، فيتذوق جمال الخطوط التي خطتها يد الرسام، ويتذوق الكلمات التي كتبها الشاعر. وبالمقابل نجده يشعر بالاشمئزاز أمام  كل ما ليس بجميل، أمام كل فعل تم انجازه بدون دقة. وبالجملة، فحتى نحصل السعادة - بحسب هيوم – علينا" تهذيب ذوقنا" ليكون راقيا، حتى نتمكن من اختيار وفهم الفنون الأكثر نبلا التي ستشعرنا بالسعادة ، سواء كانت شعرا أو نثرا أو موسيقى أو رسما .[25]

 المحور الثالث׃ السعادة و الواجب .

   تـقــديــــم :

         ﺇن الإنسان باعتباره كائن طبيعي- اجتماعي كان لزاما عليه الدخول ﺇلى القيم اﻷخلاقية،لكي يتحرر من دوافعه الغريزية وما يمكن ﺃن يترتب عنها من عنف تجاه الآخرين. فباﻹضافة ﺇلى ازدواجية الطبيعي والاجتماعي التي تشكل حقيقة اﻹنسان هناك ازدواجية ثانية تطبع وجوده اﻷخلاقي هي ازدواجية اﻹلزام و اﻹلتزام،ﺇلزامية أخلاقيه تفرضها قيم المجتمع ,والتزام أخلاقي يستمد مبادئه من وعي الإنسان.

        من داخل جدلية اﻹلزام و اﻹلتزام يطمح اﻹنسان ﺇلى خلق توازن لبلوغ السعادة باعتبارها الغاية القصوى للفعل الإنساني المتجه نحو تجسيد قيم أخلاقية فردية وجماعية،وتحديد الواجبات التي على كل فرد القيام  بها سواء نحو ذاته ﺃم تجاه الغير.وﺇذا كان اﻷمر كذلك فان السعادة تبنى داخل علاقات ﺇنسانيه يتشابك فيها واجب ﺇسعاد الذات بواجب ﺇسعاد الغير مما يحفزنا على طرح التساؤلات التالية׃

ما هي علاقة السعادة بالواجب ،هل هي علاقة تكامل ﺃو علاقة  ﺇعاقة؟

  بمعنى ﺁخر، هل يكمن ﺃساس السعادة في فعل ما نريد،ﺃم في الانصياع للواجب و القانون،طبيعيا كان ﺃو ﺃخلاقيا؟

 وإذا كانت هناك علاقة بين السعادة والواجب فهل السعادة واجب نحو الذات ﺃم نحو الغير, ﺃم هما معا؟

 وفي الختام كيف يمكن بلوغ السعادة في ظل تمفصلاتها مع مفاهيم الواجب والغير والإرادة؟

 موقف ابكتيت :

        ﻠﻺجابة عن هده التساؤلات يمكن الاستئناس بأحد المواقف الفكرية التي حاولت ربط السعادة بالواجب والإرادة والمتمثلة في الفيلسوف الرواقي "ابيكتيت" epectète" ( 125-50) الذي يعتبر من أهم  أعلام الفلسفة الرواقية التي ظهرت في نفس الفترة التي ظهرت فيها الأبيقورية وكانت معارضة لها. تنطلق هذه المدرسة من فكرة أن في الطبيعة قانون و عقل و اﻹنسان جزء من هذه الطبيعة و ﻫﻨا العقل.وإذا استنتجنا من ﻫﻨﻩ الفكرة في نظرية المعرفة  نتائجها الأخلاقية نجد ﻫﻨﻩ المدرسة تدعو اﻹنسان إلى أن يحيا وفق ﻫﻨﻩ الطيعة إذا أراد ﺇدراك السعادة و تجنب الشقاء، وﺇلا سيكون متمردا على  

القانون الطبيعي.

       ويتعرف الإنسان على قانون سيرته في ﻫﻨﻩ الحياة بالرجوع إلى ميوله  الأساسية التي وضعتها الطبيعة فيه لتدله على ما يريد. والميل الأول ﻫﻮ حب البقاء الذي يهديه لتمييز ما يوافقه وما يضاده.  و اﻷبيقورية في نظرهم على ضلال حين رأت أن الميل الأول طلب اللـﻨة، فما اللذة و الألم ﺇلا عرض ينشأ حين يحصل الإنسان على ما يوافق طبيعته أو بضادها  لذلك تنقلب اللذة ألما وشرا ﺇن ظلت لذتها دون النظر ﺇلى مدى مطابقتها للقانون الطبيعي و اﻹرادة الكلية،ففي تلك المطابقة وحدها الحكمة والخير والفضيلة والسعادة.ولعل ابكتيت لايخرج عن تعاليم مدرسته،فهو يرى على غرارها أن الطريق الموصل ﺇلى السعادة هو الخضوع للقانون الطبيعي و اﻹردة الكلية التي هي مبدأ كل ما يحدث.ففي العالم أشياء تتوقف علينا وأشياء خارجة عن إرادتنا، فكلما تحركنا في دائرة الأفعال التي تخصنا توصلنا ﺇلى السعادة، في حين يؤدي التحرك خارج ﻫﻧﻩ الدائرة أو التطلع ﺇلى الأشياء الخارجة عن ﺇرادتنا أو التي توجد تحت سيطرة الغير ﺇلى اﻹاضطراب والشكوى ،وبالتالي ﺇلى التعاسة. [26]

       ﺇن مايجلب للناس التعاسة ليست اﻷشياء في ذاتها بل اﻵراء التي لديهم  عنها، فالموت حسب ابيكتيت ليس شرا وألما في ذاته ولو كان كذلك لبدا لسقراط كذلك.بل إن الشر يكمن في الرأي الذي لدينا عن الموت بأنه شر وألم فذاك هو الشر أما الموت في ذاته،مطابق للقانون الطبيعي و اﻹرادة الكلية.فكل اﻷشياء العرضية كالموت وغيره ليس متعلقا بإرادتنا وليس خيرا أو شرا بالذات بل متعلقا باﻹرادة الكلية والقانون الطبيعي،فمن الحماقة أن نهلع لمرض أو نحزن لنكبة وما هذه اﻹانفعالات لمجدية لدفع هذه اﻷخطار بل من الواجب أن نعتصم بإرادتنا الفردية ونحتفظ بحريتنا لنرتفع بأنفسنا فوق كل شيء لانخاف،لانحزن بل نقبل كل مايصبنا من رزايا.فمن واجب اﻹنسان ﺇذا أرادا أن يحيا سعيدا وبإمكانه ذلك أن يعمل على مطابقة ﺇرادته الفردية مع اﻹرادة الكلية.

 موقف كانط :

        ﺇذا كانت الرواقية في شخص ابيكبيت قد رأت أن الطريق الموصل ﺇلى السعادة هو الخضوع  للقانون الطبيعي، فان "ﺇيمانويل كانط"﴿1724-1804﴾يرى أن هذا القانون أخلاقيا وليس طبيعيا،عقليا وليس مستمدا من الميول الأساسية عند اﻹنسان.فالسعادة عنده لا يمكن أن تكون مستقلة عن القانون الأخلاقي  وعن مبدأ الواجب،لأن ميدان الأخلاق والذي تعتبر السعادة غايته ليس ميدانا لتحليل العواطف الإنسانية كما ذهب إلى ذلك دفيد هيوم،وﺇلا لكانت المبادئ الأخلاقية مبادئ متنازع      عليها. [27]كما أنه لايمكن أن يكون مستمدا من الميول ا لأساسية التي وضعتها الطبيعة في الإنسان كما ذهب إلى ذلك ابيكتيت. معنى هذا أن للأخلاق أصول عامة شامله وصادقة في كل زمان ومكان .ولكن ما الذي يدفعنا لأن نخضع لهذه المبادئ اﻷخلاقية؟ يجب كانط: «مامن منفعة تدفعني إلى هذا إذ لو كان الأمر كذلك لما أمكن قيام أمر أخلاقي مطلق.». [28]لأن مبدأ الأخلاقية مستقل تمام الاستقلال عن طبيعتنا الحسية فهو مستمد من الصورة الخالصة للعقل دون الاستعانة بالحساسية.كما أن اﻹنسان نظرا لتميزه بالعقل في غير حاجة ﺇلى الفلسفة أو العلم لفعل ما يجب عليه القيام به،ففي تجربة الصراع بين الضمير والأهواء ينبثق  المبدأ العقلي للواجب الذي يلزم ﻹنسان بتطبيق القانون ﻹخلاقي حتى ولو تعارض مع ميولا ته ومنطلق هذا الواجب هو اﻹرادة الخيرة، ﺇﺫلا قيمة للفضائل بدون ﻫذاﻹرادة.

       من هذا المنطلق صرح كانط أن السعادة باعتبارها كل مطلق مركب من مجموعة من الرغبات يصعب تحقيقه أو تعريفها،ﻹن جميع العناصر التي تؤلفها هي في جملتها مستعارة من التجربة مما يجعلها مفهوما للخيال وليس للعقل.في حين نجد اﻹنسان لكونه كائن متناه عاجز عن تحقيق تصور محدد لما يريد.لكن لو انتقلنا من تصور يشرط السعادة بتحقيق رغبة ما أو إقصائها إلى تصور يجعل منها غاية تبنى داخل مجال العلاقات اﻹنسانية  ويجعله منها أيضا موجها لتصرفاته سواء نحو ذاته أم نحو الغير،لأمكن الأمل فيها متى كنا مؤهلين لها بقانون أخلاقي.الشيء الذي يحيلنا على طرح مجموعة من التساؤلات يمكن صياغتها على الشكل التالي:هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير،أم هما معا؟وكيف يمكن إسعاد  ﺫاتي وﺇسعاد الغير؟وما علاقة السعادة بالرغبة و اﻹرادة؟

 موقف راسل و ألان  :

        ﺇن اﻹجابة عن ﻫﺫا التساؤلات تقتضي منا التمييز بين موقفين،موقف يرى أن اﻹهتمام بالغير بمودة تلقائية للتعرف عليه وفهم خصوصيته وتفرده يشكلان مصدر ﺇسعاد الغير؛وبالتالي سعادة الذات؛وهو" لبرتراند راسل"وموقف آخر يرى أن السعادة ممكنة عندما تتوفر لدى اﻹنسان ﺇرادة طلبها،غير أنها لايمكن أن تتجه للغير دون اﻹلتزام بإسعاد الذات أولا،وهو"ألان" بالنسبة لراسل يدافع عن حق كل ﺇنسان في السعادة، دون أن يكون ذالك على حساب الآخرين، لكن من زاوية أن السعادة الحقيقية لا تكمن في أنواع الموضات والهوايات و التي تعد بمثابة هروب من الواقع بل تنبثق من فكرة التضحية بالذات التي يفرضها اﻹحساس بالواجب ، بوصفه أمرا أخلاقيا مطلقا وملزما كما ذهب ﺇلى ذالك كان كانط. لهذا تراه- مثلا- يقف على مظاهر الإحراج الذي يطرحه مشكل الواجب الأسري تجاه الأبناء من صرامة وعناية من جهة،ومن جهة أخرى الحرص على المعاملة الطيبة بغية إفساح  المجال أمام المشاعر الإنسانية من عطف وحب وسعادة، ولعل هذا الموقف يتضامن مع نظرته للفلسفة التي جعل مهمتها تناول المنطق الخالص و الرموز والتركيبات ولا تعنى بالتشريع لما هو واقعي. ففي عالم الكيانات و العلاقات المنطقية المجردة تنزوي الفلسفة و العقل بعيدا عن تقلبات الشهوة و الانفعال. فراسل يطرد العقل من مجال الأخلاق وهذا ما جعله عندما يتحدث عن سعادة الغير يقول: "* ربما كان حب كثير من الناس تلقائيا وبدون مجهود، أعظم مصادر السعادة الشخصية"* معنى هذا أن الآخر يجب أن يكون محبوبا وليس مقبولا على مضض. في المقابل نجد ألان ''إميل شارتي'' يصرح بإمكانية السعادة إذا توفرت للإنسان إرادة طلبها،فمن السهل على المرء أن يكون مستاء، و من السهل عليه أيضا أن يرفض ما تقدمه الحياة من عطايا، لكن بالمقابل من السهل عليه أن يصنع من أشياء قليلة وبسيطة مظاهر السعادة التي يلتمسها في علاقته ب الآخر. بذلك يناشدنا آلان بعدم الاستسلام عند مواجهة الصعوبات وألا نعترف بالهزيمة قبل مواجهة ومقاومة نبذل فيها أقصى  ما نملك من القوة. فالسعادة لا توجد هناك بل مرتبطة برغبتنا وإرادتنا. فمن الواجب علينا أن نصنعها ونناضل من أجلها ونعلم الآخرين فن الحياة السعيدة وذلك بعدم التحدث أمامهم عن تعاستنا. فالشقاء واليأس منتشران في الهواء الذي نستنشقه جميعا، هذا يعني أن السعادة واجبة نحو الذات لأن سعادتنا تعني مباشرة سعادة الغير و تعاستنا تعني تعاسة الغير.[29]

        إن رفض السعادة حسب ألان هو السبب فيما تعرفه الإنسانية من مآس وحروب، فهذه الجثث  و الخراب و التبذير، و التقوقع هي من أفعال أناس لم يعرفوا في حياتهم قط، كيف يكونوا سعداء، ولا يطيقون رؤية كل من حاول أن يكون سعيد. فنحن مدينون بالاعتراف و التتويج،  لأولئك الذين تغلبوا على هذه السموم وعملوا على تنقية جو الحياة الاجتماعية. لتصبح السعادة في نهاية المطاف قيمة أخلاقية توجه تصرفات الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر.

       إذا كان كل من برتراند راسل و آلان قد تحدثا عن السعادة بوصفها غاية تبنى داخل مجالات العلاقات الإنسانية، فإن الفيلسوف المؤمن يؤمن بوجود سعادة أخروية تمثل لذة بلا عناء وكمالا بلا نقصان. ولعل الغزالي لم يحدثنا عن هذا التصور في كتابه" المنقذ من الضلال"حيث يحاول تكييف ثوابت العقيدة الإسلامية  مع التجربة الصوفية المتحررة من ظاهر النص في مقاربته لمفهوم السعادة.

      إن الشرط الأساسي  لتحصيل السعادة عند الغزالي هو قطع علاقة القلب بالدنيا، و كف النفس عن الهوى، ومجاهدة الجسد لكبح رغباته، ثم المواظبة على العزلة و الخلوة والإعراض عن شواغل الحياة التي تشوش صفوة الخلوة وتقليد الأنبياء في المواظبة على العبادات، لأن السعادة تحصل بالقلب وليس بالعقل.

 خاتــــــمـــــة :

        يسمح النقاش الفلسفي حول مفهوم السعادة أولا بوضعه داخل المجال الأخلاقي القيمي بدلا من النظر إليه من زاوية شخصية فردية ،و ثانيا بادراك تعقيد و لبس هذا المفهوم حتى و إن كان الجميع متفق على أن السعادة هي الغاية القصوى الموجهة لكل سلوك أو فعل إنساني .كما يسمح هذا النقاش بادراك تمفصلات هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى كمفهوم الرغبة و الإرادة و الحرية ،و أخيرا وضع هذا المفهوم في اطار العلاقات الأساسية لتصبح السعادة قيمة أخلاقية يلتزم فيها الإنسان بواجب إسعاد ذاته وواجب إسعاد الغير .

درس السعادة

من طرف Unknown  |  نشر في :  15:10 0 تعليقات

درس السعادة
 
السعادة
محاور الدرس

1) تمثلات السعادة.

2) البحث عن السعادة.

3) السعادة و الواجب.

تـقـديـــم:

     ليس يخفى، أن الفلسفة تنقسم إلى ثلاثة مباحث كبرى وهي : مبحث المعرفة ومبحث الانطولوجيا ومبحث القيم . ويطرح كل واحد من هذه المباحث جملة مفاهيم وإشكالات. ومن بين جملة تلكم المفاهيم التي يطرحها مبحث القيم، نلفي مفهوم" السعادة ". فما هي دلالة هذا المفهوم ؟

 الدلالة المتداولة:

    يتباين الناس في تمثلهم للسعادة، فمنهم من يرى السعادة في الصحة ، ومنهم من يراها في المال، ومنهم من يراها في الصداقة، ومنهم من يراها في راحة البال، ومنهم من يراها في تلبية كاملة للرغبات، وتحقيق المتعة في شتى أشكالها … والعلة في اختلاف الناس في تمثلهم للسعادة هو جانب النقص الذي يعاني منه كل إنسان، فالفقير يرى السعادة في المال، والمريض يرى السعادة في الصحة، والأعزب يرى السعادة في الزواج وهكذا…

   هذا، ويلفت الانتباه في تمثلات الناس للسعادة، أنه يغلب عليها الجانب المادي الذي يقترن بما هو إرضاء للحواس.

 الدلالة اللغوية :

 أ‌-     لسان العرب : ابن منظور  

     جاء في" لسان العرب" : سعد السعد بمعنى اليمن، وهو نقيض النحس. والسعود خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة . ونقول سعد يسعد سعدا وسعادة فهو سعيد ، نقيض شقي والجمع سعداء .

ويشتق من نفس الجدر ثلاثة ألفاض تشترك في نفس المعنى وهي : الساعد  والسعدان والسعد.

فلفظ الساعد يدل أولا، على ساعد الإنسان أو الطير أو القبيلة : فساعدا الإنسان ذراعاه  ، وساعدا الطائر جناحاه ،وساعد القبيلة رئيسها. ويدل ثانيا، على مجرى المياه ، فسعيد المزرعة نهرها الذي يسقها. ويدل ثالثا ، على مخرج اللبن في الناقة . أما لفظ السعدان فيدل على نبات ذي شوك من أطيب مراعي الإبل. وأما لفظ السعد فيدل على الطيب ذي الرائحة الزكية.

إن ما يمكن استنتاجه من هاته الدلالات هو :

أولا : اقتران السعادة بالإرضاء و الارتواء. فالنهر الذي يسقي المزرعة يرويها، ولبن الناقة يروي ويشبع صغيرها، ومنبت شوك النخل يشبع جوع الإبل، والطيب يشبع النفس برائحته العطرة.

ثانيا : اقترانها  بالعضوين اللذين يدبران الجسد، وهما: الساعدان.

ومن هنا يكتسب اليمن دلالتين :

 الأولى : تشير إلى ما هو مادي محسوس، وتتمثل في الإرضاء والإشباع.

 الثانية : تومئ إلى ما هو عقلي، وتتمثل في التدبير، فعمدة المدينة وساعدها هو رئيسها وعقلها المدبر لشؤونها والمسير لها نحو ما هو أفضل لها. ولا يمكن في هذا السياق تصور سعادة بدون تعاون واجتماع.

    يتضح من كل ما سبق، أن التعريف اللغوي للسعادة  قد وسع من دلالتها، بشكل جعلها تنفتح على عنصر لا مادي، من طبيعة عقلية واجتماعية وسياسية تتعلق بالتفكير والتدبير.

  الدلالة الفلسفية :

 أ- المعجم الفلسفي : جميل صليبا [1]

    السعادة هي الرضا التام بما تناله النفس من الخير. والفرق بينها وبين اللذة أن السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأن رضا النفس بها تام. إذ من شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما. في حين أن" اللذة " حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن رضا النفس بها مؤقت .

   وإذا كانت السعادة هي حالة إرضاء وإشباع وارتياح تام للرغبات يتسم بالثبات، فانه متى سمت إلى مستوى الرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر، أصبحت غبطة . و إن كانت هذه أسمى وأدوم.

وللفلاسفة في حقيقة السعادة آراء مختلفة: فمنهم من يقول إن السعادة هي في إتباع الفضيلة (أفلاطون)، ومنهم من يقول إنها في الاستمتاع بالملذات الحسية المدرسة (القورينائية)، أما أرسطو فانه يوحد الخير الأعلى و السعادة ، ويجعل اللذة شرطا ضروريا للسعادة لا شرطا كافيا. وعين الأمر يقول به أبيقور الذي اعتبر اللذة هي غاية الحياة ، وان كان هو يقيم فروقا بين اللذات. أما الرواقيون فإنهم يرجعون السعادة إلى الفعل الموافق للعقل، وهي- أي السعادة- في نظرهم غير ممتنعة عن الحكم ، وان كان طريقها محفوفا بالألم .

 ب‌- موسوعة لالاند الفلسفية : أندريه لالاند [2]

  السعادة هي حالة رضا تام تستأثر بمجامع الوعي .

 السعادة هي إرضاء كل الميول وإشباعها.

     يتبدى لنا من كل ما سبق، أن مفهوم السعادة تتداخل فيه دلالات متباينة قاموسية وفلسفية وتمثلية .كما يلوح لنا أن هذا المفهوم تتقاطع فيه حقول مختلفة بيولوجية واجتماعية وسياسية وميتافيزيقية وسيكولوجية . فضلا عن أنه يتاخم جملة من المفاهيم الفلسفية الأساسية:  كاللذة و الألم والفضيلة والخير الأعلى والعقل والنفس والسياسة والعدالة والخيال و الفطرة و المحاكاة و الواجب والغير       و الإرادة …

   هذا، ويطرح مفهوم السعادة جملة من الإشكالات من أهمها : ما هي السعادة؟ هل طلب السعادة غاية كل الناس ؟ ولماذا ؟ هل نطلب السعادة من أجل ذاتها أم من أجل أشياء أخرى ؟ ولماذا؟هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وبأية وسائل ؟ ما هي علاقة السعادة بالواجب ، هل هي علاقة تكامل أم علاقة    إعاقة ؟ بمعنى أخر هل تكمن السعادة أساسا في أن نفعل ما نريد أم في انصياعنا للواجب والقانون  ؟  هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير أم هما معا ؟

كل هذه الإشكالات التي أثارها مفهوم السعادة و أخرى، سنحاول التعرف على إجابتها من خلال نصوص بعض الفلاسفة الذين تناولوا هذا المفهوم تحديدا واستشكالا…

 المحور الأول : تمثلات السعادة

   تـقــديــــم :

       يختلف الناس و الفلاسفة على السواء في تمثلهم للسعادة. فالعوام يربطونها بالثروة و الجاه       و النفوذ  و تحقيق المتعة في شتى أشكالها و عموما يمكن القول أن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة الجسدية. أما الفلاسفة فهم أيضا يختلفون في تمثلهم للسعادة ،فمنهم من يراها في علاقتها بالفضيلة و التأمل العقلي و منهم(فلاسفة الإسلام) من حاول التوفيق بين التأمل العقلي و ما هو ديني أي السعادة الاخروية ، و هناك من يرى أن كل هذه التمثلات حسية و جزئية ، أما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق ". و هناك من الفلاسفة من يعتبرها فردية و منهم من يعتبر أن السعادة لا تكون إلا داخل     دولة . و آخرون يقولون بأنه من المستحيل أن نستدل على وجود السعادة بل يجب أن نعمل على تحصيلها فهي ممارسة .

 أمام هذا التعدد في تمثل السعادة نجد انه لابد من طرح بعض الإشكالات :    
*هل السعادة  ممكنة ؟

* هل يمكن أن نستدل على وجودها ؟

*هل هي غاية كل الناس ؟

*هل يمكن بلوغها ،و بأية وسائل ؟

*هل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى ؟

 الموقف الأرسطي :

        إن الغاية من السياسة باعتبارها ،هي تحقيق الخير الأسمى الذي هو السعادة  و هذا النعت للخير الأسمى بالسعادة يشترك فيه كل من العامي و الفيلسوف  «فالعامي كالناس المستنيرين يسمي هدا الخير الأسمى سعادة»[3] إلا انه و على الرغم من هدا الاتفاق فإننا نجد أن هناك بونا شاسعا في تمثل المفهوم بين العامي و الفيلسوف و« انقسام الآراء هذا مرده إلى الاختلاف بشان طبيعة السعادة و أصلها» [4] فمتمثلات السعادة لدى الطبائع العامية تختلف من شخص لآخر فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال  و العاشق يراها في الزواج من معشوقته . « إنها ليست إلا شيئا نافعا     و مطلوبا لأشياء أخرى غير ذاتها» .[5]

     أما الفيلسوف فهو يرى عكس ذلك فالسعادة عنده هي غاية بل غاية الغايات و هي تطلب لذاتها  «ينبغي وضع السعادة بين الأشياء التي تختار من اجل ذاتها إذ هي قائمة بذاتها» [6] و كل الأشياء الأخرى إنما تطلب كوسيلة لتحقيقها« كل ما يمكن تصوره إنما يطلب من اجل ما عداه إلا السعادة إذ هي غاية بحد   ذاتها » [7]

     وعموما يمكن القول أن التمثل العامي يختلف عن تمثل الحكماء دلك أن التمثل العامي يغلب المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة لدلك يرى أرسطو انه« لا يوجد    ..إلا ثلاثة صنوف من العيشة يمكن على الخصوص تمييزها .أولها هده العيشة التي تكلمنا عليها انفا (عيشة العوام) ،ثم العيشة السياسية أو العمومية ،و أخيرا العيشة التأملية و العقلية»  و يرتبط بكل نوع من هده العيش ثلاث أنواع من السعادة، فأما  العيشة الحسية وهي سعادة اللذة الجسدية ، لذة الطعام والشراب والجنس وهي لذة يشترك فيها الإنسان والحيوان ، وهي سعادة وقتية ولو طلبت لذاتها لأدى ذلك الإسراف فيها ، ثم إلى فقد الإحساس باللذة ثم تنتهي إلى الألم والمرض ، فتحققها ليس من السعادة بشيء ، أما الثانية فهي السعادة السياسية مطلوبة من الكثير من الناس ، ولكنهم ما يلبثوا أن يشعروا بالتعاسة عندما يفقدوا مراكزهم ، ويعرفوا أن الناس كانوا يعظمونهم لأجل الوظائف التي يمثلونها وليس لأشخاصهم ، كأن هذه السعادة وقتية وهي متوقفة على الناس يمنحونها ويسلبونها وفقاً للمركز الشخصي لا للقيمة الذاتية ، إذاً هي ليس خير في حد ذاتها وليس دائمة فقد يعقبها الإهمال والتحقير . السعادة الثالثة هي السعادة العقلية فهي التي ترمي إلى تحقيق الفضيلة باعتبار أنها العمل بمقتضى الحكمة ، والحكمة ملكة عقلية تكتسب بالتمرين والتعود على طلب الحق والخير الصحيح وفضائل الحكمة عملية ونظرية ، وتبين لنا الحكمة العملية أن الفضيلة قوة تكتسبها عن طريق ممارسة أعمال تتوفر فيها الإرادة الحرة والمعرفة والنزوع إلى الخير . وإذا بحثنا عن الفضائل نجد أنها تقع في الوسط ما بين المغالاة " الإفراط " والتقصير "التفريط " مثل الشجاعة وسط بين رذيلتين هما التهور والجبن ، والكرم وسط بين الإسراف والبخل والعدل وسط بين المحاباة والظلم ، وتحكم العقل والإرادة في تعيين الفضيلة يتم عن طريقهما الممارسة الواقعية للفضيلة ، فإذا عود الإنسان نفسه أن يتلمس الفضيلة دائماً ويقوم بها فإنها تصبح طبيعة فيه يتجه إليها من دون تردد وبذلك تتحقق له السعادة .

 موقف ابن مسكويه :

    يحاول ابن مسكويه تقديم التمثلات السائدة عن السعادة لدى كل من الحكماء و العوام و هو اد يُفصل في هدا فيقول إن الحكماء من أمثال فيتاغورس و بقراط و أفلاطون لما قسموا السعادة جعلوها كلها في قوى النفس ،أي القوى الثلاث : القوة الغضبية،القوة الشهوانية ،و القوة العاقلة القوة الشهوانية التي تحرك الإنسان إلى ما يشتهيه أو يجذبه من الملذات والخيرات. والقوة الغضبية التي تحركه إلى "الغضب" عدوانا أو دفاعا أو نجدة. والقوة الناطقة العاقلة وهي التي يحصل بها التمييز والروية والتفكر. ولكل من هذه القوى فضيلتها: ففضيلة النفس الشهوانية العفة، وفضيلة النفس الغضبية النجدة، وفضيلة النفس العاقلة الحكمة. ومن اعتدال هذه الفضائل الثلاث ومن نسبة بعضها إلى بعض تحدث فضيلة رابعة هي كمالها وتمامها وهي العدالة و اجمعوا على أن« هده الفضائل هي كافية في السعادة  و لا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن و ما هو خارج البدن»[8] و بالتالي فالسعادة عندهم هي سعادة نفس و« سائر الأشياء الخارجة عنها ،فليست عندهم بقادحة في السعادة البتة»[9]

    أما الرواقيون فجعلوا السعادة في النفس غير مكتملة إذا لم تقترن بالجسد أو حتى ما هو خارج الجسد هدا بخلاف المحققين من الحكماء الدين لا يربطون السعادة بما هو خارج الجسد فيعتبرونها تابثة لا تتغير و لا يلحقها زوال و لاتغيير .   

أما العامة فتختلف طبائعهم في تمثل السعادة بحسب حاجياتهم ،فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال والغريب في العودة لوطنه و عموما يمكن القول إن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة . و الحكماء يرون أن كل هذه التمثلات سعادة   و لكن شريطة أن تكون «عند الحاجة و في الوقت الذي يجب و كما يجب و عند من يجب، فهده سعادات كلها، و ما كان منها يراد لشيء أخر ؛فلذلك الشيء أحق باسم السعادة »[10] فالمريض مثلا يجد السعادة فيما يحتاج إليه و هي الصحة .

 موقف الفارابي :

      لما كان المقصود من الوجود الإنساني بلوغ السعادة عن طريق إدراك المعقولات او المبادئ التي يتاسس عليها وجود الكون و الإنسان ثم كانت هده المعقولات لدى جميع الناس أصحاب الفطر السليمة و التي  « يسعون بها نحو أمور و افعلا مشتركة لهم ؛ ثم بعد دلك يتفاوتون و يختلفون فتصير لهم فطر تخص كل واحد و كل طائفة »[11] لزم عن اختلاف الفطر عدم قدرة كل إنسان على أن يعلم من تلقاء نفسه السعادة و لا ان يعملها ،فوجب بدلك ضرورة وجود معلم أو مرشد يرشده إلى الكيفية التي تمكنه من ان يجعل السعادة غايته ثم « يعلم الأشياء التي ينبغي أن يعملها حتى ينال بها السعادة»[12]     و تبعا لاختلاف الفطر جب على المعلم أن يسلك طرقا مختلفة باختلاف الطوائف و الأمم ،فقد يتم ذلك بطرقة نظرية خالصة (الخاصة) أو بطريقة تعتمد على المحاكاة كفن للتبليغ  و التخييل (العامة).

 الموقف الأفلاطوني :

      ليست السعادة حسب أفلاطون شأنا شخصيّا بقدر ما هي قضيّة تتعلّق بالمدينة ككلّ وبالتّالي لا يمكن تحقيق الكمال إلاّ في مدينة محكمة التّنظيم. «إننا لم نستهدف في تأسيس دولتنا جلب السعادة الكاملة لفئة معينة من المواطنين و إنما كان هدفنا أن نكفل اكبر قدر ممكن من السعادة للدولة بأسرها »[13]  السٌعادة بالنٌسبة لأفلاطون عندئذ هي سعادة المدينة ككلٌ والتي تتحقٌق بالانسجام بين جميع أطرافها وشرائحها، فكما يجب أن يوجد انسجام في الفرد بين النٌفس العاقلة والنٌفس الغضبيٌة والنٌفس الشهوانية. فإنٌ المدينة كذلك يجب أن تنقسم إلى حرٌاس يسيٌرون شؤونها العامٌة وجنود يسهرون على الأمن ورعيٌة تقوم بالأعمال الأخرى الضٌروريٌة مثل الفلاحة والصٌناعة….إلخ. أما إذا لم يحترموا هدا النظام فإننا  « نحض حراسنا و حماتنا بالوعد أو نرغمهم بالوعيد كما نفعل مع غيرهم من المواطنين على أن يؤدوا على خير وجه ما يصلحون من الوظائف»[14] فبدلك تتحقق العدالة و تزدهر الدولة     و بازدهار هده الأخيرة« وعندما تزدهر الدولة بأسرها... نترك لمكل طبقة أن تتمع بالسعادة على قدر ما تؤهلها لذلك الطبيعة »  [15]

 الموقف الكانطي :

       يحاول كانط في كتابه " أسس ميتافيزيقا الأخلاق " و بالضبط في النص الماثل أمامنا أن يحدد العلاقة التي تربط السعادة بالعقل و الخيال . بمعنى هل نتمثل السعادة بالعقل أم بالخيال. و كمحاولة للإجابة عن هدا السؤال يرى كانط أن تصور السعادة لا يمكن أن يكون بالعقل بل بالخيال،كيف ذلك ؟       إن "جميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة ..لزم أن تستعار من التجربة " إما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق " ما معنى ذلك؟

     إن أمر السعادة ينصب على الوسائل الضرورية لانجاز هده الغاية ،ذلك لأنه ينجم تحليليا من الغاية التي يسعى إليها الإرادة ،تبعا للصيغة التي غدت قولا مأثورا :من يروم الغاية ،يروم الوسائل (تبعا  للعقل)اللازمة للوصول إليها و التي هي في مقدوره و بالتالي فجميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة هي في جملتها عناصر تجريبية ،أي انه يلزم أن تشتق من التجربة . أما عندما نريد أن نتحدث عن فكرة السعادة فإننا نحتاج إلى كل مطلق ،إلا أننا نجد انه من المستحيل للإنسان ككائن متناه ،محدود بحدود التجربة « أن يكون لنفسه تصورا محددا لما يبغيه هنا على الحقيقة »[16] هل يريد حياة طويلة ؟ فمن يضمن له إلا تكون شقاءا طويلا و بالتالي فمن الصعب عليه أن حدد كيف يكون   سعيدا . فليس ثمة في هذا الشأن أمر يمكنه أن يقرر بالمعنى الدقيق للكلمة أن نفعل ما يجعلنا سعداء « دلكم لان السعادة هي مثل أعلى لا للعقل بل للخيال»[17]  فلا يمكن انطلاقا من نتائج هي في الواقع لامتناهية أن نعطي تحديدا للسعادة .  

 موقف ( إميل شارتي) ألان :

       يعتبر ألان أن الأمل في السعادة هو السعادة ،ألان أن الأمل في السعادة لا يعني أن ننتظر السعادة لتأتي الينا و صوبنا ،ولا يعني كذلك استحالة الحصول عليها او بلوغها ،و لا انها وهم ،بل يعني هدا أن  " نعمل على تحصيلها الآن[18] دلك أن « السعادة ليست شيئا نطارده بل هي شيء نتملكه ،و خارج هدا التملك فهي ليست سوى لفظ»  [19]  إلا أن هدا التملك للسعادة مشروط بالرغبة في أن نكون سعداء ،لدلك يجب على المرء « أن يطلب سعادته و أن يصنعها »[20] إن ألان يؤكد هنا وخاصة في كتابه                             "PROPOS SUR LE BONHEUR"  ان السعادة لا تتوقف على العالم الخارجي او المحيط بالشخص و إنما  يتوقف على الشخص ذاته  أي أن فعل السعادة لا يتحقق إلا بالإرادة .دلك أن تحقيق السعادة لا يتأتى إلا بالصراع ضد المعيقات التي تحول دون ذلك و لا يجب الاعتراف بالهزيمة طالما لم نتجاوز هذه المعيقات .*[21]



المحورالثاني : البحث عن السعادة.

   تـقــديــــم :

      يطرح هذا المحور الثاني من درس السعادة،إشكالين اثنين رئيسيين وهما :  بأي شكل تكون السعادة ممكنة ؟ أو بعبارة أخرى هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وإذا كان الجواب بالاجاب ، فما السبيل إلى تحقيقها ؟ وعن هذين الإشكالين الرئيسيين تتفرع جملة من الإشكالات الفرعية : هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟ ما علاقة السعادة بالزمن ؟ هل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟ وما علاقتها بالفنون والذوق؟…

 موقف سينكا :

    يطرح سينكا في هذا النص إشكال ماهي الكيفية أو الوسيلة التي من خلالها يمكننا تحقيق الحياة السعيدة ؟ فإذا كانت السعادة هي مبتغى الناس أجمعين في هذه الحياة ، فما هي الكيفية التي بواسطتها نستطيع أن نحصلها؟ بيد أنه لاحظ أنه بمجرد ما يطرح هذا السؤال حتى تختلط علينا الأمور. وحتى يزول هذا الخلط على الإنسان- في نظر سينكا- أن يحدد هدفه بكل دقة، ثم بعد ذلك ينظر في كل الاتجاهات عن السبيل الكفيل بأن يقوده إلى تحقيق هدفه بأقصى سرعة، هذا الطريق أو السبيل الذي ينبغي أن يكون مستقيما حتى نتمكن من أن نعرف كل يوم كم تقدمنا وكم اقترفنا من هدفنا ، هذا الهدف الذي تدفعنا نحوه الرغبة اللازمة لطبيعتنا. و حتى نتمكن من اختيار الطريق المستقيم  الذي وحده سيقودنا إلى تحقيق هدفنا علينا أن نستعين بإنسان خبير أو مرشد حكيم يكون سبق له وأن  اختبر الهدف الذي نقصده . هذا ، ويحذرنا سينكا عند عزمنا  السفر بحثا عن السعادة أن نسلك الطريق الأكثر استعمالا. إذ هو الأكثر تضليلا ،وما هذا السبيل الأكثر استعمالا إلا طريق أو سبيل العامة,بل بالضد من ذلك، علينا أن نبتعد عن طريق المحاكاة ،أي الاستقلال عن الطريق الذي تتبعه العام في تحصيل السعادة وإتباع طريق" العقل". [22]

 موقف أبيقور :

     إن المتأمل في هذا النص بأجل نظر وأدقه، يتبدى له أن أبيقور يطرح فيه قضية السعادة  في علاقتها بمبدأ اللذة .هذه القضية التي يمكن صوغها في اشكلين اثنين وهما: هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟

   يجيب أبيقور عن الإشكال الأول بالا جاب فيقول : " إن اللذة هي مبدأ الحياة السعيدة وغايتها ". بمعنى أخر أن تحقيقنا للذاتنا، وتجنبنا للألم- كما سيذكر في موضع آخر من النص-هو ما يجعلنا سعداء . وبهذا تكون السعادة عند أبيقور هي:" لذة تلحق النفس والجسد ". لكن، دون أن  يعني هذا أن كل ا لذات تحقق لنا السعادة - من وجهة نظر أبيقور- . إذ من الذات ما يكون مفعولها عكسيا ، بمعنى أنه عوض أن تحقق لنا السعادة تتسبب لنا في الألم . والعكس صحيح ، فمن الآلام ما يكون وراء الصبر عليها تحصيل لذة أعظم. ومن هنا  فلا ينبغي علينا أن نبحث عن كل اللذات وبالمقابل علينا ألا نتجنب كل ألآلام . هذا، ويشدد المذهب الأبيقوري على فضيلة القناعة ،أي أن نقنع بما نملك وان كان قليلا . إذ المتعة التي نجدها في تناول الطعام البسيط، ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أن يزول ألألم المتولد عن الحاجة . فقليل من خبز الشعير والماء يجعنا نشعر بلذة عظيمة إذا كانت الحاجة إليهما شديدة. والى جانب تشديده على فضيلة القناعة يؤكد أبيقور على العيش البسيط، دونما أن يعني ذلك التقشف. فالقناعة و العيشة البسيطة لهما أفضل ما يضمن لنا الصحة الجيدة ، وما ييسر لنا الاستجابة لمتطلبات الحياة الضرورية، كما أنهما يجعلننا عند وجودنا أمام ما لذ وطاب من الأكل، قادرين على التمتع بذلك حق التمتع. فتناول ما لذ وطاب من الأكل يوميا ينقص من لذة تمتعنا به. فضلا عن أن تشبثنا بفضيلة القناعة والعيشة البسيطة يجعلننا لا نخشى تقلبات الدهر .[23]

 موقف  شوبنهاور:

      يطرح شوبنهاور في هذا النص إشكالين وهما : ما هو الأصل في هذا العالم؟ أهو الألم و العذاب أم المتعة و الإشباع ؟ وهل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟

    يعتبر شوبنهاور أن حقيقة هذا العالم أو ماهيته هي الألم والعذاب و الحرمان ، أي أن الأصل في الحياة هو الألم والحرمان أم الإشباع و البهجة فهما ليسا سوى أمل عابر أمام الألم والعذاب والشقاء الدائمين. وشوبنهاور ينعت هذه السعادة غير الدائمة العابرة اللحظية بالسعادة" السالبة" ، لأنه سرعان ما يعقبها :"إما شرا مستجدا وإما فتورا وانتظارا" لسعادة لحظية عابرة أخرى .وإذا كان الأمر هكذا، فان هذا ما يفسر لنا عدم اكترتنا بما لدينا من ممتلكات وامتيازات ،لأن السعادة التي تمنحنا إياها ليست سوى إعفاءا لنا من بعض العذابات. ويدلل شوبنهاور على أطروحته بالفن وبخاصة الشعر، حيث نجد موضوع القصيدة الملحمية أو المأساوية لا يمكن أن يكون سوى شجارا أو جهدا أو معركة . وهذه المواضيع كلها تمثل الألم والشقاء الذي يتحمله الإنسان في سبيل تحقيقه سعادة سالبة، أي سعادة لحظية عابرة.

ومن كل ما سبق، نخلص إلى أن الأصل في الحياة بحسب شوبنهاور هو الألم والشقاء، وأن السعادة هي مجرد لحظات عابرة ، تتخلل بين الفينة و الأخرى هذا المسير من الألم والعذاب الذي يحكم حياتنا كلها.[24]

 موقف دافيد هيوم :

    يعالج دافيد هيوم في هذا النص إشكال علاقة السعادة بالفنون والذوق .إذ يميز هو بين نوعين من الرهافة :" رهافة الإحساس" و"رهافة الذوق".

   فالأفراد الذين لهم رهافة في الإحساس يكونون بالغي الحساسية تجاه عوارض الحياة وحوادثها، فأنت تجدهم فرحين بالحياة مقبلين عليها كلما كان هناك أي حدث طيب يمسهم . وبالضد من ذلك شديدي التألم عندما يمسهم ما يحزنهم. وعين الانفعالات التي يحس بها من لديه رهافة الإحساس عند مصادفته لحدث طيب أو لحدث مؤلم، يشعر بها من لديه "رهافة الذوق"، عند مصادفته كل جمال أو قبح أو تشوه . فلما نقدم له قصيدة شعرية أو لوحة فنية، فان رهافة ذوقه تجعل كل جوارحه ترتعش أمام ما يقدم له ، فيتذوق جمال الخطوط التي خطتها يد الرسام، ويتذوق الكلمات التي كتبها الشاعر. وبالمقابل نجده يشعر بالاشمئزاز أمام  كل ما ليس بجميل، أمام كل فعل تم انجازه بدون دقة. وبالجملة، فحتى نحصل السعادة - بحسب هيوم – علينا" تهذيب ذوقنا" ليكون راقيا، حتى نتمكن من اختيار وفهم الفنون الأكثر نبلا التي ستشعرنا بالسعادة ، سواء كانت شعرا أو نثرا أو موسيقى أو رسما .[25]

 المحور الثالث׃ السعادة و الواجب .

   تـقــديــــم :

         ﺇن الإنسان باعتباره كائن طبيعي- اجتماعي كان لزاما عليه الدخول ﺇلى القيم اﻷخلاقية،لكي يتحرر من دوافعه الغريزية وما يمكن ﺃن يترتب عنها من عنف تجاه الآخرين. فباﻹضافة ﺇلى ازدواجية الطبيعي والاجتماعي التي تشكل حقيقة اﻹنسان هناك ازدواجية ثانية تطبع وجوده اﻷخلاقي هي ازدواجية اﻹلزام و اﻹلتزام،ﺇلزامية أخلاقيه تفرضها قيم المجتمع ,والتزام أخلاقي يستمد مبادئه من وعي الإنسان.

        من داخل جدلية اﻹلزام و اﻹلتزام يطمح اﻹنسان ﺇلى خلق توازن لبلوغ السعادة باعتبارها الغاية القصوى للفعل الإنساني المتجه نحو تجسيد قيم أخلاقية فردية وجماعية،وتحديد الواجبات التي على كل فرد القيام  بها سواء نحو ذاته ﺃم تجاه الغير.وﺇذا كان اﻷمر كذلك فان السعادة تبنى داخل علاقات ﺇنسانيه يتشابك فيها واجب ﺇسعاد الذات بواجب ﺇسعاد الغير مما يحفزنا على طرح التساؤلات التالية׃

ما هي علاقة السعادة بالواجب ،هل هي علاقة تكامل ﺃو علاقة  ﺇعاقة؟

  بمعنى ﺁخر، هل يكمن ﺃساس السعادة في فعل ما نريد،ﺃم في الانصياع للواجب و القانون،طبيعيا كان ﺃو ﺃخلاقيا؟

 وإذا كانت هناك علاقة بين السعادة والواجب فهل السعادة واجب نحو الذات ﺃم نحو الغير, ﺃم هما معا؟

 وفي الختام كيف يمكن بلوغ السعادة في ظل تمفصلاتها مع مفاهيم الواجب والغير والإرادة؟

 موقف ابكتيت :

        ﻠﻺجابة عن هده التساؤلات يمكن الاستئناس بأحد المواقف الفكرية التي حاولت ربط السعادة بالواجب والإرادة والمتمثلة في الفيلسوف الرواقي "ابيكتيت" epectète" ( 125-50) الذي يعتبر من أهم  أعلام الفلسفة الرواقية التي ظهرت في نفس الفترة التي ظهرت فيها الأبيقورية وكانت معارضة لها. تنطلق هذه المدرسة من فكرة أن في الطبيعة قانون و عقل و اﻹنسان جزء من هذه الطبيعة و ﻫﻨا العقل.وإذا استنتجنا من ﻫﻨﻩ الفكرة في نظرية المعرفة  نتائجها الأخلاقية نجد ﻫﻨﻩ المدرسة تدعو اﻹنسان إلى أن يحيا وفق ﻫﻨﻩ الطيعة إذا أراد ﺇدراك السعادة و تجنب الشقاء، وﺇلا سيكون متمردا على  

القانون الطبيعي.

       ويتعرف الإنسان على قانون سيرته في ﻫﻨﻩ الحياة بالرجوع إلى ميوله  الأساسية التي وضعتها الطبيعة فيه لتدله على ما يريد. والميل الأول ﻫﻮ حب البقاء الذي يهديه لتمييز ما يوافقه وما يضاده.  و اﻷبيقورية في نظرهم على ضلال حين رأت أن الميل الأول طلب اللـﻨة، فما اللذة و الألم ﺇلا عرض ينشأ حين يحصل الإنسان على ما يوافق طبيعته أو بضادها  لذلك تنقلب اللذة ألما وشرا ﺇن ظلت لذتها دون النظر ﺇلى مدى مطابقتها للقانون الطبيعي و اﻹرادة الكلية،ففي تلك المطابقة وحدها الحكمة والخير والفضيلة والسعادة.ولعل ابكتيت لايخرج عن تعاليم مدرسته،فهو يرى على غرارها أن الطريق الموصل ﺇلى السعادة هو الخضوع للقانون الطبيعي و اﻹردة الكلية التي هي مبدأ كل ما يحدث.ففي العالم أشياء تتوقف علينا وأشياء خارجة عن إرادتنا، فكلما تحركنا في دائرة الأفعال التي تخصنا توصلنا ﺇلى السعادة، في حين يؤدي التحرك خارج ﻫﻧﻩ الدائرة أو التطلع ﺇلى الأشياء الخارجة عن ﺇرادتنا أو التي توجد تحت سيطرة الغير ﺇلى اﻹاضطراب والشكوى ،وبالتالي ﺇلى التعاسة. [26]

       ﺇن مايجلب للناس التعاسة ليست اﻷشياء في ذاتها بل اﻵراء التي لديهم  عنها، فالموت حسب ابيكتيت ليس شرا وألما في ذاته ولو كان كذلك لبدا لسقراط كذلك.بل إن الشر يكمن في الرأي الذي لدينا عن الموت بأنه شر وألم فذاك هو الشر أما الموت في ذاته،مطابق للقانون الطبيعي و اﻹرادة الكلية.فكل اﻷشياء العرضية كالموت وغيره ليس متعلقا بإرادتنا وليس خيرا أو شرا بالذات بل متعلقا باﻹرادة الكلية والقانون الطبيعي،فمن الحماقة أن نهلع لمرض أو نحزن لنكبة وما هذه اﻹانفعالات لمجدية لدفع هذه اﻷخطار بل من الواجب أن نعتصم بإرادتنا الفردية ونحتفظ بحريتنا لنرتفع بأنفسنا فوق كل شيء لانخاف،لانحزن بل نقبل كل مايصبنا من رزايا.فمن واجب اﻹنسان ﺇذا أرادا أن يحيا سعيدا وبإمكانه ذلك أن يعمل على مطابقة ﺇرادته الفردية مع اﻹرادة الكلية.

 موقف كانط :

        ﺇذا كانت الرواقية في شخص ابيكبيت قد رأت أن الطريق الموصل ﺇلى السعادة هو الخضوع  للقانون الطبيعي، فان "ﺇيمانويل كانط"﴿1724-1804﴾يرى أن هذا القانون أخلاقيا وليس طبيعيا،عقليا وليس مستمدا من الميول الأساسية عند اﻹنسان.فالسعادة عنده لا يمكن أن تكون مستقلة عن القانون الأخلاقي  وعن مبدأ الواجب،لأن ميدان الأخلاق والذي تعتبر السعادة غايته ليس ميدانا لتحليل العواطف الإنسانية كما ذهب إلى ذلك دفيد هيوم،وﺇلا لكانت المبادئ الأخلاقية مبادئ متنازع      عليها. [27]كما أنه لايمكن أن يكون مستمدا من الميول ا لأساسية التي وضعتها الطبيعة في الإنسان كما ذهب إلى ذلك ابيكتيت. معنى هذا أن للأخلاق أصول عامة شامله وصادقة في كل زمان ومكان .ولكن ما الذي يدفعنا لأن نخضع لهذه المبادئ اﻷخلاقية؟ يجب كانط: «مامن منفعة تدفعني إلى هذا إذ لو كان الأمر كذلك لما أمكن قيام أمر أخلاقي مطلق.». [28]لأن مبدأ الأخلاقية مستقل تمام الاستقلال عن طبيعتنا الحسية فهو مستمد من الصورة الخالصة للعقل دون الاستعانة بالحساسية.كما أن اﻹنسان نظرا لتميزه بالعقل في غير حاجة ﺇلى الفلسفة أو العلم لفعل ما يجب عليه القيام به،ففي تجربة الصراع بين الضمير والأهواء ينبثق  المبدأ العقلي للواجب الذي يلزم ﻹنسان بتطبيق القانون ﻹخلاقي حتى ولو تعارض مع ميولا ته ومنطلق هذا الواجب هو اﻹرادة الخيرة، ﺇﺫلا قيمة للفضائل بدون ﻫذاﻹرادة.

       من هذا المنطلق صرح كانط أن السعادة باعتبارها كل مطلق مركب من مجموعة من الرغبات يصعب تحقيقه أو تعريفها،ﻹن جميع العناصر التي تؤلفها هي في جملتها مستعارة من التجربة مما يجعلها مفهوما للخيال وليس للعقل.في حين نجد اﻹنسان لكونه كائن متناه عاجز عن تحقيق تصور محدد لما يريد.لكن لو انتقلنا من تصور يشرط السعادة بتحقيق رغبة ما أو إقصائها إلى تصور يجعل منها غاية تبنى داخل مجال العلاقات اﻹنسانية  ويجعله منها أيضا موجها لتصرفاته سواء نحو ذاته أم نحو الغير،لأمكن الأمل فيها متى كنا مؤهلين لها بقانون أخلاقي.الشيء الذي يحيلنا على طرح مجموعة من التساؤلات يمكن صياغتها على الشكل التالي:هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير،أم هما معا؟وكيف يمكن إسعاد  ﺫاتي وﺇسعاد الغير؟وما علاقة السعادة بالرغبة و اﻹرادة؟

 موقف راسل و ألان  :

        ﺇن اﻹجابة عن ﻫﺫا التساؤلات تقتضي منا التمييز بين موقفين،موقف يرى أن اﻹهتمام بالغير بمودة تلقائية للتعرف عليه وفهم خصوصيته وتفرده يشكلان مصدر ﺇسعاد الغير؛وبالتالي سعادة الذات؛وهو" لبرتراند راسل"وموقف آخر يرى أن السعادة ممكنة عندما تتوفر لدى اﻹنسان ﺇرادة طلبها،غير أنها لايمكن أن تتجه للغير دون اﻹلتزام بإسعاد الذات أولا،وهو"ألان" بالنسبة لراسل يدافع عن حق كل ﺇنسان في السعادة، دون أن يكون ذالك على حساب الآخرين، لكن من زاوية أن السعادة الحقيقية لا تكمن في أنواع الموضات والهوايات و التي تعد بمثابة هروب من الواقع بل تنبثق من فكرة التضحية بالذات التي يفرضها اﻹحساس بالواجب ، بوصفه أمرا أخلاقيا مطلقا وملزما كما ذهب ﺇلى ذالك كان كانط. لهذا تراه- مثلا- يقف على مظاهر الإحراج الذي يطرحه مشكل الواجب الأسري تجاه الأبناء من صرامة وعناية من جهة،ومن جهة أخرى الحرص على المعاملة الطيبة بغية إفساح  المجال أمام المشاعر الإنسانية من عطف وحب وسعادة، ولعل هذا الموقف يتضامن مع نظرته للفلسفة التي جعل مهمتها تناول المنطق الخالص و الرموز والتركيبات ولا تعنى بالتشريع لما هو واقعي. ففي عالم الكيانات و العلاقات المنطقية المجردة تنزوي الفلسفة و العقل بعيدا عن تقلبات الشهوة و الانفعال. فراسل يطرد العقل من مجال الأخلاق وهذا ما جعله عندما يتحدث عن سعادة الغير يقول: "* ربما كان حب كثير من الناس تلقائيا وبدون مجهود، أعظم مصادر السعادة الشخصية"* معنى هذا أن الآخر يجب أن يكون محبوبا وليس مقبولا على مضض. في المقابل نجد ألان ''إميل شارتي'' يصرح بإمكانية السعادة إذا توفرت للإنسان إرادة طلبها،فمن السهل على المرء أن يكون مستاء، و من السهل عليه أيضا أن يرفض ما تقدمه الحياة من عطايا، لكن بالمقابل من السهل عليه أن يصنع من أشياء قليلة وبسيطة مظاهر السعادة التي يلتمسها في علاقته ب الآخر. بذلك يناشدنا آلان بعدم الاستسلام عند مواجهة الصعوبات وألا نعترف بالهزيمة قبل مواجهة ومقاومة نبذل فيها أقصى  ما نملك من القوة. فالسعادة لا توجد هناك بل مرتبطة برغبتنا وإرادتنا. فمن الواجب علينا أن نصنعها ونناضل من أجلها ونعلم الآخرين فن الحياة السعيدة وذلك بعدم التحدث أمامهم عن تعاستنا. فالشقاء واليأس منتشران في الهواء الذي نستنشقه جميعا، هذا يعني أن السعادة واجبة نحو الذات لأن سعادتنا تعني مباشرة سعادة الغير و تعاستنا تعني تعاسة الغير.[29]

        إن رفض السعادة حسب ألان هو السبب فيما تعرفه الإنسانية من مآس وحروب، فهذه الجثث  و الخراب و التبذير، و التقوقع هي من أفعال أناس لم يعرفوا في حياتهم قط، كيف يكونوا سعداء، ولا يطيقون رؤية كل من حاول أن يكون سعيد. فنحن مدينون بالاعتراف و التتويج،  لأولئك الذين تغلبوا على هذه السموم وعملوا على تنقية جو الحياة الاجتماعية. لتصبح السعادة في نهاية المطاف قيمة أخلاقية توجه تصرفات الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر.

       إذا كان كل من برتراند راسل و آلان قد تحدثا عن السعادة بوصفها غاية تبنى داخل مجالات العلاقات الإنسانية، فإن الفيلسوف المؤمن يؤمن بوجود سعادة أخروية تمثل لذة بلا عناء وكمالا بلا نقصان. ولعل الغزالي لم يحدثنا عن هذا التصور في كتابه" المنقذ من الضلال"حيث يحاول تكييف ثوابت العقيدة الإسلامية  مع التجربة الصوفية المتحررة من ظاهر النص في مقاربته لمفهوم السعادة.

      إن الشرط الأساسي  لتحصيل السعادة عند الغزالي هو قطع علاقة القلب بالدنيا، و كف النفس عن الهوى، ومجاهدة الجسد لكبح رغباته، ثم المواظبة على العزلة و الخلوة والإعراض عن شواغل الحياة التي تشوش صفوة الخلوة وتقليد الأنبياء في المواظبة على العبادات، لأن السعادة تحصل بالقلب وليس بالعقل.

 خاتــــــمـــــة :

        يسمح النقاش الفلسفي حول مفهوم السعادة أولا بوضعه داخل المجال الأخلاقي القيمي بدلا من النظر إليه من زاوية شخصية فردية ،و ثانيا بادراك تعقيد و لبس هذا المفهوم حتى و إن كان الجميع متفق على أن السعادة هي الغاية القصوى الموجهة لكل سلوك أو فعل إنساني .كما يسمح هذا النقاش بادراك تمفصلات هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى كمفهوم الرغبة و الإرادة و الحرية ،و أخيرا وضع هذا المفهوم في اطار العلاقات الأساسية لتصبح السعادة قيمة أخلاقية يلتزم فيها الإنسان بواجب إسعاد ذاته وواجب إسعاد الغير .

درس الدولة

درس الدولة
 
الدولة
محاور الدرس

1) مشروعية الدولة و غاياتها.

2) طبيعة السلطة السياسية.

3) الدولة بين الحق و العنف.

تقديم :

 تعتبر الدولة أهم مؤسسة تسهر على تسيير المجتمع و تدبير شؤونه ؛وهي بذلك أشمل تنظيم

يعكس مجموعة أفراد المجتمع.ويتجلى هذا التنظيم في عدد من المؤسسات الإدارية و القانونية والسياسية و الإقتصادية التي تتطابق مع متطلبات المجتمع. إن وجود الدولة نابع من قصور المجتمع عن تسيير شؤونه في غياب هذه المؤسسة التي تحفظ وجوده و تضمن

استمراريته.

لكن بالرغم من هذه الأهمية التي تشغلها مسألة الدولة ؛يبقى سؤال ماهي الدولة غامضا. وهذا الغموض نابع من الأدوار المعقدة التي تلعبها الدولة والتناقضات الواضحة التي ترافقها .وإذا كانت الغاية من وجود الدولة هي تنظيم أمور المجتمع فهل يقف دورها عند مسألة التنظيم؟ هل يمكن الحديث عن حياد الدولة؟ ثم كيف يكون وجود الدولة مشروعا.؟

يمكن معالجة هذه الاشكالات من خلال المحاور التالية :

 |- المحور الأول : مشروعية الدولة وغاياتها

 1- غاية الدولة  تحقيق السلم .( نص هوبز)

 لقد جعلت الطبيعة الناس أحرارا و متساويين ؛ غير أن هذا التساوي لا يتحقق مع حالة الطبيعة التي تقوم على اساس الحرب الدائمة والفوضى و الخوف ،وهذا ما يؤدي إلى فناء الجنس البشري .ولذلك كان من الضروري ان يبحث الإنسان عما يساعده على تحقيق الأمن والإستقرار والسلام .لقد اعتبر هوبز حالة الطبيعة حالة حروب و نزاعات بين الأفراد وهي ما سماها بحرب الكل ضد الكل ، لذلك كان لزاما وقف استشراء العنف والإنتقال بالتجمع البشري الى مجتمع الدولة المنظمة . والوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الإنتقال  هو التعاقد الإجتماعي الذي يضمن السلم والأمن بوجود حاكم يكون خارج هذا العقد حيث يتنازل الأفراد برضاهم عن بعض حقوقهم الطبيعية لفائدة الحاكم قصد تحقيق المنفعة العامة . وهذا التوافق بين الشعب و الحاكم ادى الى نشوء الدولة . والحاكم في نظر هوبز لا يمكن ان ياتي بتصرف يخالف المصلحة العامة لانه بعيد عن الوقوع في الخطأ و بالتالي يفرض تصور هوبز الخضوع التام لهذا الحاكم .

 2- غاية الدولة هي الحرية.( نص اسبينوزا)

 يشير اسبينوزا في هذا النص الى  أن الغاية التي انشئت من أجلها الدولة هي حماية حرية الأفراد و سلامتهم وفسح المجال أمام طاقاتهم و قدراتهم البدنية و العقلية والروحية .إن تحقيق هذه الأهداف (الأمن،الحرية ...) يقتضي تنازل الفرد عن حقه في أن يسلك كما يشاء .ومقابل هذا التنازل يتمتع الأفراد بحرية كاملة في التعبير عن آرائهم و أفكارهم مع بقائهم متمتعين بهذا الحق مادام تفكيرهم قائما على مبادىء العقل واحترام الأخرين و ايضا ما دام الفرد لم يقم باي فعل من شانه الحاق الضرر بالدولة.

 3- الدولة تجسيد للعقل.(هيغل).

 ينطلق هيجل من محاولة إبراز قصور التقليد الفلسفي السياسي التعاقدي بجعل غاية الدولة تقف في حدود تحقيق الأمن والحرية والملكية الخاصة .إن الدولة غاية في حد ذاتها , باعتبارها نظاما أخلاقيا يكون في احترامه احتراما للعقل باعتبار الدولة تجسدا للعقل، لذلك كان من الواجب الإنخراط في الدولة؛ فلا وجود لحرية الأفراد في غياب حرية الدولة فمنها يستقي الأفراد حريتهم .

إن اقتصار دور الدولة على تحقيق غايات خارجية (السلم ،الملكية الخاصة،الحرية....) يجعل الإنتماء الى الدولة مسالة اختيارية والحال  أن علاقة الفرد بالدولة أوثق واوطد.فمصير الفرد ان يعيش في حياة جماعية كلية . هكذا تختفي النزعة الفردية في التصور الهيجيلي للدولة والذي يجعل لها سلطة مطلقة تسحق الفرد تحتها كما أنها ذات سيادة وروح كليتين.

 ملحق:  مشروعية سلطة الدولة(نص ماكس فيبر)

 يستعرض ماكس فيبر في بداية الفصل الثاني من كتابه"العالم والسياسي"لنظرية في خصائص مشروعية السلطة في المجتمعات ؛ حيث اعتبر ان الدولة هي المعبر الفعلي عن علاقات الهيمنة وذلك وفق نموذج سياسي معين ؛ إذ تتنوع أشكال الممارسة السياسية بتنوع البعد التاريخي للمجتمعات .وفي هذا الصدد يمكن النظر مع فيبر الى تاريخ الدول /السلط /المشروعيات بماهي تعبير عن السلطة كمؤسسة حاكمة وقائمة في التاريخ . واولى هذه السلط ؛ تلك التي يمثلها"الأمس الأزلي" من خلال الاحتكام إلى العادات و التقاليد .وهذا ما يبرر ذلك الاحترام و التقديس الذي يحف تلك الأعراف السائدة في هذا التحمع القبلي أو الاجتماعي ؛ حيث تبرز هذه السلطة التقليدية في شخص الأب الأكبر او السيد . أما ثاني هذه السلط؛ فتلك المبنية على المزايا الشخصية لفرد ما لكونه يتمتع بكارزمية تجيد لفت الإنتباه إليه مادام يتمتع بقدرات خارقة تجعله ملهما وبطلا في أعين من يحيطون به ؛ مما يكسبه هالة من الوقار والاحترام والثقة تجعل منه زعيما لهذا التجمع البشري ..وهذا النوع من السلط هو الذي مارسه الانبياء ؛ أو قائد الحزب أو الديماغوجي الكبير .واخيرا تلك السلطة التي تفرض نفسها في إطار فضيلة المشروعية ؛ بمعنى تلك السلطة التي تؤمن بصلاحية النظام السياسي القائم من خلال الايمان بمشروعه وكفاءته واحتكامه لقواعد عقلانية ؛ او لانها سلطة قائمة على مبدأ الخضوع والا متثال للواجبات  و الإلزامات المطابقة لقوانين النظام القائم ؛ وهذه السلطة هي التي يمثلها "خادم الدولة الحديثة".

إن دوافع احتكام الناس إلى السلطة منبعه خوف الناس من الممسكين بزمام السلطة؛ أو ذلك الأمل الذي يحيا في كل فرد بالجزاء الذي قد يحصل عليه سواء دنيويا أو في العالم الأخر . ويمكن القول أن تبرير مثل هذه التمثلات يكتسي اهمية كبرى بالنسبة لبنية السيطرة ؛ بل ومن الأكيد أن مصادفة مثل هذه النماذج في الواقع يعد أمرا نادرا جدا ؛ومع ذلك لم يعد اليوم ممكنا الحديث باستعراض كل تفاصيل هذه النماذج إلا بدمجها في إطار النظرية العامة للدولة.

 ||-المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية.

1-السياسة بما هي صراع(نص مكيافيللي)

 تعتبر السلطة السياسية شكلا من أشكال التنظيمات التي تنظم حياتنا الاجتماعية والسياسية وذلك بوسائل وطرق مختلفة وطبائع متعددة، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية منظمة دون وجود سلطة سياسية وراءها.و يعد مكيافلي من الأوائل الذين فكروا في إشكالية السلطة وطبيعتها داخل الدولة بعد أن تم استقلال الدولة الأوربية عن سلطة الكنيسة؛ وهو ما يصطلح عليه بنموذج الدولة الحديثة التي أصبحت ترتبط بشخص الأمير وقدراته في استخدام كل الوسائل الممكنة المشروعة وغير المشروعة ، القانونية والغير القانونية ،بتحقيق الوحدة و إرساء القوانين.

فما يذهب إليه مكيافلي في كتابه الأمير،كيف للأمير أن يحكم ؟ وأن يحفظ حياته وحياة الناس معه داخل الدولة ؟ فالدولة حسب مكيافلي غير منفصلة عن الأمير الذي يحكمها، فهما شيء واحد.

لهذا نجد مكيافلي يقدم مجموعة من النصائح للأمير من أجل توطيد سلطته السياسية وذلك عبر استغلال الفضائل الحميدة والرذائل وتوظيف الوسائل المتاحة و لكن شريطة ألا يفقد الأمير حب شعبه له لأنه قد يحتاج هذا الحب في وقت الشدائد،وهذا ما يجعل الأمير يتعامل وسط الناس بحيطة و حذر حيث يرى مكيافلي أنه على الأمير أن يكون  ثعلبا وأسدا في نفس الوقت فكيف للحاكم ان يكون مثل ذلك؟

إن هذا الاعتبار يعني أن هناك طريقتين في ضبط الحكم ، الطريقة الأولى و كما يشير إليها مكيافلي هي الطريقة القانونية والتي تعتمد أو تستند إلى ماهو قانوني. أما الطريقة الثانية فهي طريقة القوة و التي من خلالها يستطيع الأمير إرهاب وتخويف الأعداء، لهذا على الأمير ان يعرف كيف يحكم ، وكيف يتصرف انطلاقا من هاتين الطريقتين؟ فأن يكون ثعلبا معناه ان يعرف كيف يحمي نفسه من الوقوع في الفخاخ و أن يكون أسدا معناه أن يكون شديد القوة و الجهامة حتى يخيف الآخرين.

فممارسة السياسة حسب هذا الطرح تكون بحب الطبائع البشرية، فالأمير يحكم بوفاء وإخلاص مع وجود الناس الأخيار، وطبعا ليس كل الناس مثل ذلك، فمنهم الأشرار وهؤلاء يستوجب معهم نوعا من السلطة التي تحول دون هذا الشر، فمن أراد أن يكون ثعلبا من اجل أن يخدع الناس قد يجابه بخداع اكبر منه ويسقط في فخ قد يكون وهو الذي نصبه بنفسه.

فإلى أي حد يمكن القول معه أن السياسة هي نتاج الصراع والقوة؟

 2-السياسة بما هي اعتدال(نص ابن خلدون)

 إن ما ينطلق منه ابن خلدون في تصوره لطبيعة السلطة السياسية قد يختلف تماما عن ما ذهب إليه مكيافلي في تصوره السالف الذكر، فما مضمون تصور ابن خلدون للسلطة؟

في تحليل ابن خلدون لمفهوم الدولة وكيف ينبغي للدولة ان تكون وما يجب ان تقوم عليه العلاقة بين السلطان والرعايا،يذهب إلى انه لا يمكن للرعية ان تستغني عن السلطان ولا للسلطان أن يستغني عن الرعية، فالعلاقة جدلية بينهما فالسلطان هو من له رعية، والرعية هي من لها سلطان. وهذه العلاقة هي نموذج السياسة المثلى التي تقوم على الاعتدال،وإذا كانت هذه الملكة( الاعتدال) تقوم على الرفق والحكمة حصل المقصود بين السلطان ورعيته .أما إذا كان السلطان على بطش وعقاب فسدت هذه الملكة وحل الذل والمكر محل هذا الرفق، فحسن الملكة بين السلطان ورعيته هو التوسط و الاعتدال، بمعنى لا إفراط في الشجاعة والكرم حتى التهور وبالتالي الانحلال ، ولا إفراط في الجبن و البلادة حتى الجمود. فهذا يتنافى و الصفات الإنسانية حسب ابن خلدون؛ فالحاكم والسلطان هو من يحكم رعاياه باعتدال و توسط وليس الدخول معه في صراع وتحايل ومكر وخداع .

 3-فصل السلط و استقلالها(نص مونتيسكيو)

 يذهب مونتسكيو في كتابه" روح القوانين" الى التمييز بين ثلاث وظائف أساسية للدولة وهي : السلطة التشريعية- السلطة التنفيذية- السلطة القضائية.فالأولى متمثلة في البرلمان وهي التي تشرع القوانين داخل الحياة في الدولة.أما الثانية تتمثل في الحكومة والتي تكون بتنفيذ تلك القوانين , كما تعمل أيضا على توفير شروط الأمن للمواطنين.أما النوع الثالث فيتجلى دوره في تطبيق تلك القوانين وممارستها و هذا النوع الأخير كما يقول مونتسكيو هو الكفيل بضمان الأمن و الحرية. لهذا يذهب مونتسكيو الى الفصل بين هذه السلط الذي من أجله يتأتى جو الأمن والحرية والمساواة و أن تداخل هذه السلط حسب مونتسكيو قد يؤدي إلى الجور والظلم وإهدار حقوق المواطنين وسلب حرياتهم. ولذلك وجب استقلال كل من السلطة التشريعية والسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية بحيث لا يجوز لهذه الأخيرة أن تصدر أحكاما كما لا يجوز لها أن تعرقل الأحكام التي أصدرها القضاء أو الحكومة.

ونفس الأمر بالنسبة للسلطة القضائية بألا تتدخل في اختصاصات السلطة التنفيذية  وأيضا نفس الأمر بالنسبة للسلطة القضائية مع السلطة التشريعية بمعنى ألا يكون المشرع قاضيا،فهذا قد يؤدي حسب مونتسكيو إلى تعذر قيام العدالة والمساواة والتي قد تضيع معها كل القوانين والمراسيم من جهة ، ثم الأحكام –التي هي من اختصاص القضاء –من جهة ثانية. بهذا وجب أن يستقل القضاء عن السلطة التشريعية حتى نتجنب الظلم و الطغيان كما يوضح مونتسكيو.وهذا لا يعني الانفصال المطلق والتام بين هذه السلط كما يدعو مونتسكيو، بل إن هناك في الحقيقة تعاون وتعاضد فيما بينها.فكل واحدة من هذه السلط تكمل الأخرى فالسلطة التشريعية أو البرلمان هي الرافد الأساسي الذي يستند إليه القضاء في إصدار الأحكام ،وهذه الأحكام بالضرورة تحتاج إلى تنفيذ والذي يتولى هذه المهمة هو الحكومة أو السلطة التنفيذية.

من هنا يمكن القول على أن التكامل بين السلط طبيعي ومقبول وإن كنا قد أكدنا مع مونتسكيو على ضرورة الفصل والاستقلال وعدم تداخل إحدى هذه السلط في مجال الأخرى الذي قد يؤدي الى ضياع الحقوق . بالإضافة إلى كل هذا يجب  على الدولة ان توفر لمواطنيها حقا آخر يرتبط في الواقع ارتباطا وثيقا بحق الحرية، ألا وهو حق الأمن والرعاية ضد الأخطار الخارجية.

 ملحق: الدولة مجموعة من الأجهزة( نص ألتوسير)

 طرح تجديد الفكر الماركسي إشكالا نظريا فيم يخص مسألتين : الأولى تتعلق بأن كل محاولات التجديد التي لحقت الماركسية اتهمت بالمراجعة ؛ أو اتهمت بتحريف أصول الماركسية.والثانية تتعلق بأن مسألة طرح الماركسية من جديد في المجتمع بعيد عن لحظة ماركس بعشرات السنين؛ معناه إعادة النظر أو على الأقل تكييف الفكر الماركسي مع معطيات العصر. وفي هذا الصدد يحضر لوي ألتوسير كأهم منظر للنظرية الماركسية .وفي هذا النص يكشف ألتوسير عن الأبعاد الأيديولوجية الأجهزة الدولة مستثمرا في ذلك العدة المفاهيمية لماركس من خلال استحضار مفهوم الصراع والهيمنة والتحكم والمراقبة والقمع والعنف. ومن هذا المنظور يميزالتوسير بين نوعين من الأجهزة التي تحكم بها الدولة ؛ النوع الأول يرتبط بجهاز عياني  يتمثل في الجيش والشرطة والسجون ؛ حيث يمثل جهازا عنيفا تتم بواسطته قمع كل أشكال الانحراف والتظاهر ؛ أي أن الدور المنوط بهذا الجهاز هو شل حركة المجتمع نحو الثورة .أما النوع الثاني فيرتبط بجهاز اخر أكثر تكتما تسرب من خلاله الدولة إيديولوجيتها الخاصة وفق الشروط والظروف التي تسمح لها بذلك ؛وفي هذا الإطار يمكن  إدراج كل مؤسسات الدولة : مؤسسة  دينية ، مدرسية، قانونية، إعلامية...

إن كل هذه المؤسسات تمارس الدور المكمل لما تقوم به أجهزة الدولة القامعة،التي و إن كانت تمارس العنف المادي، فإن هذه المؤسسات الأخيرة تمارس نوعا من التعمية و التعنيف الايديولوجي من خلال ما تمارسه من إكراه فكري؛ بل وأن هذه السلطة التي تمتلكها تبقى في كل المجتمعات متخفية لكونها إما تخاطب الجانب الوجداني أو الإلزامي(الدين، القانون) في الإنسان؛ ومن تم، فهذه الأشكال الإيديولوجية لابد وأن تتكامل فيما بينها لتنتج شكلا قمعيا للدولة.

 ملحق: السلطة ليست مجموعة أجهزة ( نص ميشيل فوكو)

 يمكن القول على سبيل افتراضي أن التصور الفوكوي لطبيعة السلطة السياسية يختلف عدة ونتائج عن التصور الألتوسيري لأشكال أجهزة الدولة وممارستها لفعل القمع .وهنا يجب أن نشير إلى ان فوكو ينطلق من فرضية تقول أن الإستراتيجيات و علاقات القوى المتعددة التي تتداخل فيما بينها هي التي تخلق سلطة الدولة ومؤسساتها .ومن هذا المنطلق ، فإن السلطة عند فوكو لا تعبر عن شكل متعال عن مجال اشتغالها ، بل عن شكل محايث يطلق على وضعية استراتيجية معقدة في مجتمع معين .

إن التصور الكلاسيكي للسلطة ظل محصورا في مجموع الأجهزة و المؤسسات التي تمكن من إخضاع المواطنين داخل دولة معينة سواء عن طريق العنف أو عن طريق القانون. لكن فوكو سوف يرفض هذا التصور بدعوى أن الانطلاق من فرضية سيادة الدولة في إطار الشرعية و الهيمنة معناه الوصول إلى الشكل النهائي للسلطة، وعليه، فإن الذي يهم ،حسب فوكو، هو البحث عن أشكال تغلغل وتواجد وتصارع مجموعة من القوى داخل مجتمع ما لتفرز شكلا مهيمنا ما. يقول :"يبدو لي أن السلطة تعني بادئ ذي بدء علاقات القوى المتعددة التي تكون محايثة الذي تعمل فيه(....) إنها الحركة التي تحول تلك القوى و تزيد من حدتها وتقلب موازينها بفعل الصراعات التي لا تنقطع". ولا يخفى ان القول بحتمية الصراع معناه التوسل بخطط واستراتيجيات تضمن دوام المنافسة و الصراع مع الخصم من أجل الهيمنة. فإذن ما السلطة؟يجيب فوكو بقوله "يجب تحليل السلطة كشيء متحرك ، وبالأحرى كشيء لا يمكنه الاشتغال إلا عن طريق التسلسل ، فهي ليست محلية وليست بيد أحد ، بل تشتغل في إطار شبكة ، ومن تم( تضمن) حركة الأفراد بجعلهم مستعدين للخضوع أو ممارسة السلطة ." والقول بشبكية السلطة معناه الإقرار بعدم جدوى البحث عن السلطة في النقط المركزية للدولة كما تمثلها المؤسسات ، بل من الضروري الالتجاء إلى أكثر النقط الهامشية لأنها أكثر فاعلية .ومن هذا المنظور ، يلح فوكو على اعتبار السلطة نوعا من المعرفة الإستراتيجية الموجًهة والموجَهة ، فمن جهة لا تشتغل السلطة إلا على نحو معرفة ، والمعرفة هي التي تضمن سيادة السلطة .ولهذا يمكن القول أن السلطة متواجدة في كل مكان وزمان نظرا لقدرتها على التولد في كل لحظة ؛ إذ بمجرد ما تنبع معرفة ما (علمية أو غير علمية) لابد وأن تتمظهر في شكل سلطة معينة بالغة التعقيد لدرجة يصعب تتبع أصول نشوئها .

 |||- المحور الثالث : الدولة بين الحق والعنف:

-1     مشروعية العنف( ماكس فيبر)

 يعبر كتاب "العالم والسياسي" لماكس فيبر عن إشكالية جدلية يحياها المجتمع المعاصر ؛ بين تدخل العلم في شؤون المجتمع ومحاولات تغييره نحو الأحسن وبين رؤية السياسي الذي يمارس نوعا من  الهيمنة في إطار من المشروعية.

إذن كيف يمكن تحديد مظاهر تسييس كل مناحي الحياة الاجتماعية وجعلها خاضعة لهذا النموذج السياسي أو ذاك ؟

إن السياسة عند فيبر وإن كانت تحيل في دلالاتها على تمظهرات كثيرة ترتبط بوسائل التدبير والتحكم , فإنها تحيل بشكل أساسي على مفهوم الدولة كقيادة سياسية لتجمع بشري في جغرافية معينة.لكن كيف يمكن للدولة أن تسوس أمور الشعب ووفق أي أدوات ؟

يقول فيبر على لسان تروتسكي أن وسيلة الدولة المثلى هي العنف كضامن وحيد لهيمنة الدولة.غير أن هذا العنف وإن كان ليس وسيلة الدولة الوحيدة ، إلا أنه أكثر أسلحتها نجاعة في قيادة المجتمع ولممارسة السلطة ، مادام أن تاريخ البشرية كشف عن محاولات التعنيف لضمان السلم الاجتماعي . من هذا المنطلق يرى فيبر أن السياسي يتوق إلى السلطة ، إما لأنها وسيلة لتحقيق غايات مثالية أو أنانية و إما لذاتها من أجل إشباع الشعور بالفخر الذاتي والرغبة في الوصول إلى السلطة وامتلاكها، بل وإن الاحتفاظ بها يعني بالضرورة أن الدولة /السلطة تعتمد على علاقة أساسية تربط بها هيمنة الإنسان على الإنسان من خلال العنف المشروع، ومن تم يقول فيبر"لا يمكن أن توجد الدولة إلا بشرط خضوع الناس المهيمن عليهم إلى السلطة"

يمكن القول إذن أن الدولة من هذا المنظور هي المالكة الوحيدة لحق ممارسة العنف داخل تجمع سياسي معين كونها تمتلك وسائل متعددة لممارسة السلطة.

 2- الدولة هي نتاج الصراع بين الطبقات ( فريدريك إنجلز )

لا يمكن النظر إلى الفكر الماركسي إلا من داخل علاقاته المتشنجة مع فلسفة هيغل . والواقع أن ماركس أخد عن هيغل في كثير من أطروحاته دون أن يمنعه ذلك من إعادة النظر في التصور الهيغيلي للتاريخ والدولة. إذ إذا كان هيغل  قد أقر بأن التاريخ أو الروح المطلق قد انتهى مع الدولة البروسية معبرا عن انصهار العقل في الواقع والواقع في العقل، فإن مثل هذا التصور لا يخفي عن نفسه البعد التبريري والاختزالي للتاريخ ، وربما هذا ما يبرر قلب ماركس للجدل الهيغلي بجعله يسير على قدميه بعد أن كان يسير على رأسه.فإذن كيف يحضر مفهوم  الدولة عند كل من ماركس وانجلز؟ وما علاقة تطور التاريخ بالدولة؟

إن الدولة في نظر إنجلز ليست هي الصورة المطلقة لظهور العقل في التاريخ وفي الدولة , بل إنها نتيجة تصارع قوى عديدة داخل هذا المجتمع أو ذاك في مراحل تطوره.وهذا يعني تماشيا مع التصور الماركسي ، أن التناقض والصراع هو المحدد الأول والأخير في تمفصل طبقات المجتمع تبعا للمصالح الاقتصادية لكل طبقة، ومن هنا يمكن فهم أساس قيام الدولة كطرف للمصالحة بين الأطراف المتنازعة ، ومن تم تنصب نفسها فوق المجتمع.

ولهذا السبب يمكن فهم حاجة كل المجتمعات إلى الدولة ، إذ إن كل إفرازات المجتمع الإيديولوجية والدموية بين الأفراد والطبقات تحتاج كلها إلى جهاز سلطة لكبح تعارضاتها وجعلها في مستوى مقبول.لكن لا ينبغي ان نفهم من هنا ان الدولة طرف محايد في معادلة الصراع، بل هي دوما تتشكل من الطبقة الأقوى في المجتمع أي تلك الطبقة التي تسود وتهيمن اقتصاديا ، مما يضمن لها أن تسود سياسيا .وهذا يعني ، حسب انجلز، لم توجد في يوم من الأيام إلا عندما تطور الميدان الاقتصادي وفرض تنظيم المجتمع وفقا لوسائل الإنتاج والاستغلال .


درس الدولة

من طرف Unknown  |  نشر في :  15:06 0 تعليقات

درس الدولة
 
الدولة
محاور الدرس

1) مشروعية الدولة و غاياتها.

2) طبيعة السلطة السياسية.

3) الدولة بين الحق و العنف.

تقديم :

 تعتبر الدولة أهم مؤسسة تسهر على تسيير المجتمع و تدبير شؤونه ؛وهي بذلك أشمل تنظيم

يعكس مجموعة أفراد المجتمع.ويتجلى هذا التنظيم في عدد من المؤسسات الإدارية و القانونية والسياسية و الإقتصادية التي تتطابق مع متطلبات المجتمع. إن وجود الدولة نابع من قصور المجتمع عن تسيير شؤونه في غياب هذه المؤسسة التي تحفظ وجوده و تضمن

استمراريته.

لكن بالرغم من هذه الأهمية التي تشغلها مسألة الدولة ؛يبقى سؤال ماهي الدولة غامضا. وهذا الغموض نابع من الأدوار المعقدة التي تلعبها الدولة والتناقضات الواضحة التي ترافقها .وإذا كانت الغاية من وجود الدولة هي تنظيم أمور المجتمع فهل يقف دورها عند مسألة التنظيم؟ هل يمكن الحديث عن حياد الدولة؟ ثم كيف يكون وجود الدولة مشروعا.؟

يمكن معالجة هذه الاشكالات من خلال المحاور التالية :

 |- المحور الأول : مشروعية الدولة وغاياتها

 1- غاية الدولة  تحقيق السلم .( نص هوبز)

 لقد جعلت الطبيعة الناس أحرارا و متساويين ؛ غير أن هذا التساوي لا يتحقق مع حالة الطبيعة التي تقوم على اساس الحرب الدائمة والفوضى و الخوف ،وهذا ما يؤدي إلى فناء الجنس البشري .ولذلك كان من الضروري ان يبحث الإنسان عما يساعده على تحقيق الأمن والإستقرار والسلام .لقد اعتبر هوبز حالة الطبيعة حالة حروب و نزاعات بين الأفراد وهي ما سماها بحرب الكل ضد الكل ، لذلك كان لزاما وقف استشراء العنف والإنتقال بالتجمع البشري الى مجتمع الدولة المنظمة . والوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الإنتقال  هو التعاقد الإجتماعي الذي يضمن السلم والأمن بوجود حاكم يكون خارج هذا العقد حيث يتنازل الأفراد برضاهم عن بعض حقوقهم الطبيعية لفائدة الحاكم قصد تحقيق المنفعة العامة . وهذا التوافق بين الشعب و الحاكم ادى الى نشوء الدولة . والحاكم في نظر هوبز لا يمكن ان ياتي بتصرف يخالف المصلحة العامة لانه بعيد عن الوقوع في الخطأ و بالتالي يفرض تصور هوبز الخضوع التام لهذا الحاكم .

 2- غاية الدولة هي الحرية.( نص اسبينوزا)

 يشير اسبينوزا في هذا النص الى  أن الغاية التي انشئت من أجلها الدولة هي حماية حرية الأفراد و سلامتهم وفسح المجال أمام طاقاتهم و قدراتهم البدنية و العقلية والروحية .إن تحقيق هذه الأهداف (الأمن،الحرية ...) يقتضي تنازل الفرد عن حقه في أن يسلك كما يشاء .ومقابل هذا التنازل يتمتع الأفراد بحرية كاملة في التعبير عن آرائهم و أفكارهم مع بقائهم متمتعين بهذا الحق مادام تفكيرهم قائما على مبادىء العقل واحترام الأخرين و ايضا ما دام الفرد لم يقم باي فعل من شانه الحاق الضرر بالدولة.

 3- الدولة تجسيد للعقل.(هيغل).

 ينطلق هيجل من محاولة إبراز قصور التقليد الفلسفي السياسي التعاقدي بجعل غاية الدولة تقف في حدود تحقيق الأمن والحرية والملكية الخاصة .إن الدولة غاية في حد ذاتها , باعتبارها نظاما أخلاقيا يكون في احترامه احتراما للعقل باعتبار الدولة تجسدا للعقل، لذلك كان من الواجب الإنخراط في الدولة؛ فلا وجود لحرية الأفراد في غياب حرية الدولة فمنها يستقي الأفراد حريتهم .

إن اقتصار دور الدولة على تحقيق غايات خارجية (السلم ،الملكية الخاصة،الحرية....) يجعل الإنتماء الى الدولة مسالة اختيارية والحال  أن علاقة الفرد بالدولة أوثق واوطد.فمصير الفرد ان يعيش في حياة جماعية كلية . هكذا تختفي النزعة الفردية في التصور الهيجيلي للدولة والذي يجعل لها سلطة مطلقة تسحق الفرد تحتها كما أنها ذات سيادة وروح كليتين.

 ملحق:  مشروعية سلطة الدولة(نص ماكس فيبر)

 يستعرض ماكس فيبر في بداية الفصل الثاني من كتابه"العالم والسياسي"لنظرية في خصائص مشروعية السلطة في المجتمعات ؛ حيث اعتبر ان الدولة هي المعبر الفعلي عن علاقات الهيمنة وذلك وفق نموذج سياسي معين ؛ إذ تتنوع أشكال الممارسة السياسية بتنوع البعد التاريخي للمجتمعات .وفي هذا الصدد يمكن النظر مع فيبر الى تاريخ الدول /السلط /المشروعيات بماهي تعبير عن السلطة كمؤسسة حاكمة وقائمة في التاريخ . واولى هذه السلط ؛ تلك التي يمثلها"الأمس الأزلي" من خلال الاحتكام إلى العادات و التقاليد .وهذا ما يبرر ذلك الاحترام و التقديس الذي يحف تلك الأعراف السائدة في هذا التحمع القبلي أو الاجتماعي ؛ حيث تبرز هذه السلطة التقليدية في شخص الأب الأكبر او السيد . أما ثاني هذه السلط؛ فتلك المبنية على المزايا الشخصية لفرد ما لكونه يتمتع بكارزمية تجيد لفت الإنتباه إليه مادام يتمتع بقدرات خارقة تجعله ملهما وبطلا في أعين من يحيطون به ؛ مما يكسبه هالة من الوقار والاحترام والثقة تجعل منه زعيما لهذا التجمع البشري ..وهذا النوع من السلط هو الذي مارسه الانبياء ؛ أو قائد الحزب أو الديماغوجي الكبير .واخيرا تلك السلطة التي تفرض نفسها في إطار فضيلة المشروعية ؛ بمعنى تلك السلطة التي تؤمن بصلاحية النظام السياسي القائم من خلال الايمان بمشروعه وكفاءته واحتكامه لقواعد عقلانية ؛ او لانها سلطة قائمة على مبدأ الخضوع والا متثال للواجبات  و الإلزامات المطابقة لقوانين النظام القائم ؛ وهذه السلطة هي التي يمثلها "خادم الدولة الحديثة".

إن دوافع احتكام الناس إلى السلطة منبعه خوف الناس من الممسكين بزمام السلطة؛ أو ذلك الأمل الذي يحيا في كل فرد بالجزاء الذي قد يحصل عليه سواء دنيويا أو في العالم الأخر . ويمكن القول أن تبرير مثل هذه التمثلات يكتسي اهمية كبرى بالنسبة لبنية السيطرة ؛ بل ومن الأكيد أن مصادفة مثل هذه النماذج في الواقع يعد أمرا نادرا جدا ؛ومع ذلك لم يعد اليوم ممكنا الحديث باستعراض كل تفاصيل هذه النماذج إلا بدمجها في إطار النظرية العامة للدولة.

 ||-المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية.

1-السياسة بما هي صراع(نص مكيافيللي)

 تعتبر السلطة السياسية شكلا من أشكال التنظيمات التي تنظم حياتنا الاجتماعية والسياسية وذلك بوسائل وطرق مختلفة وطبائع متعددة، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية منظمة دون وجود سلطة سياسية وراءها.و يعد مكيافلي من الأوائل الذين فكروا في إشكالية السلطة وطبيعتها داخل الدولة بعد أن تم استقلال الدولة الأوربية عن سلطة الكنيسة؛ وهو ما يصطلح عليه بنموذج الدولة الحديثة التي أصبحت ترتبط بشخص الأمير وقدراته في استخدام كل الوسائل الممكنة المشروعة وغير المشروعة ، القانونية والغير القانونية ،بتحقيق الوحدة و إرساء القوانين.

فما يذهب إليه مكيافلي في كتابه الأمير،كيف للأمير أن يحكم ؟ وأن يحفظ حياته وحياة الناس معه داخل الدولة ؟ فالدولة حسب مكيافلي غير منفصلة عن الأمير الذي يحكمها، فهما شيء واحد.

لهذا نجد مكيافلي يقدم مجموعة من النصائح للأمير من أجل توطيد سلطته السياسية وذلك عبر استغلال الفضائل الحميدة والرذائل وتوظيف الوسائل المتاحة و لكن شريطة ألا يفقد الأمير حب شعبه له لأنه قد يحتاج هذا الحب في وقت الشدائد،وهذا ما يجعل الأمير يتعامل وسط الناس بحيطة و حذر حيث يرى مكيافلي أنه على الأمير أن يكون  ثعلبا وأسدا في نفس الوقت فكيف للحاكم ان يكون مثل ذلك؟

إن هذا الاعتبار يعني أن هناك طريقتين في ضبط الحكم ، الطريقة الأولى و كما يشير إليها مكيافلي هي الطريقة القانونية والتي تعتمد أو تستند إلى ماهو قانوني. أما الطريقة الثانية فهي طريقة القوة و التي من خلالها يستطيع الأمير إرهاب وتخويف الأعداء، لهذا على الأمير ان يعرف كيف يحكم ، وكيف يتصرف انطلاقا من هاتين الطريقتين؟ فأن يكون ثعلبا معناه ان يعرف كيف يحمي نفسه من الوقوع في الفخاخ و أن يكون أسدا معناه أن يكون شديد القوة و الجهامة حتى يخيف الآخرين.

فممارسة السياسة حسب هذا الطرح تكون بحب الطبائع البشرية، فالأمير يحكم بوفاء وإخلاص مع وجود الناس الأخيار، وطبعا ليس كل الناس مثل ذلك، فمنهم الأشرار وهؤلاء يستوجب معهم نوعا من السلطة التي تحول دون هذا الشر، فمن أراد أن يكون ثعلبا من اجل أن يخدع الناس قد يجابه بخداع اكبر منه ويسقط في فخ قد يكون وهو الذي نصبه بنفسه.

فإلى أي حد يمكن القول معه أن السياسة هي نتاج الصراع والقوة؟

 2-السياسة بما هي اعتدال(نص ابن خلدون)

 إن ما ينطلق منه ابن خلدون في تصوره لطبيعة السلطة السياسية قد يختلف تماما عن ما ذهب إليه مكيافلي في تصوره السالف الذكر، فما مضمون تصور ابن خلدون للسلطة؟

في تحليل ابن خلدون لمفهوم الدولة وكيف ينبغي للدولة ان تكون وما يجب ان تقوم عليه العلاقة بين السلطان والرعايا،يذهب إلى انه لا يمكن للرعية ان تستغني عن السلطان ولا للسلطان أن يستغني عن الرعية، فالعلاقة جدلية بينهما فالسلطان هو من له رعية، والرعية هي من لها سلطان. وهذه العلاقة هي نموذج السياسة المثلى التي تقوم على الاعتدال،وإذا كانت هذه الملكة( الاعتدال) تقوم على الرفق والحكمة حصل المقصود بين السلطان ورعيته .أما إذا كان السلطان على بطش وعقاب فسدت هذه الملكة وحل الذل والمكر محل هذا الرفق، فحسن الملكة بين السلطان ورعيته هو التوسط و الاعتدال، بمعنى لا إفراط في الشجاعة والكرم حتى التهور وبالتالي الانحلال ، ولا إفراط في الجبن و البلادة حتى الجمود. فهذا يتنافى و الصفات الإنسانية حسب ابن خلدون؛ فالحاكم والسلطان هو من يحكم رعاياه باعتدال و توسط وليس الدخول معه في صراع وتحايل ومكر وخداع .

 3-فصل السلط و استقلالها(نص مونتيسكيو)

 يذهب مونتسكيو في كتابه" روح القوانين" الى التمييز بين ثلاث وظائف أساسية للدولة وهي : السلطة التشريعية- السلطة التنفيذية- السلطة القضائية.فالأولى متمثلة في البرلمان وهي التي تشرع القوانين داخل الحياة في الدولة.أما الثانية تتمثل في الحكومة والتي تكون بتنفيذ تلك القوانين , كما تعمل أيضا على توفير شروط الأمن للمواطنين.أما النوع الثالث فيتجلى دوره في تطبيق تلك القوانين وممارستها و هذا النوع الأخير كما يقول مونتسكيو هو الكفيل بضمان الأمن و الحرية. لهذا يذهب مونتسكيو الى الفصل بين هذه السلط الذي من أجله يتأتى جو الأمن والحرية والمساواة و أن تداخل هذه السلط حسب مونتسكيو قد يؤدي إلى الجور والظلم وإهدار حقوق المواطنين وسلب حرياتهم. ولذلك وجب استقلال كل من السلطة التشريعية والسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية بحيث لا يجوز لهذه الأخيرة أن تصدر أحكاما كما لا يجوز لها أن تعرقل الأحكام التي أصدرها القضاء أو الحكومة.

ونفس الأمر بالنسبة للسلطة القضائية بألا تتدخل في اختصاصات السلطة التنفيذية  وأيضا نفس الأمر بالنسبة للسلطة القضائية مع السلطة التشريعية بمعنى ألا يكون المشرع قاضيا،فهذا قد يؤدي حسب مونتسكيو إلى تعذر قيام العدالة والمساواة والتي قد تضيع معها كل القوانين والمراسيم من جهة ، ثم الأحكام –التي هي من اختصاص القضاء –من جهة ثانية. بهذا وجب أن يستقل القضاء عن السلطة التشريعية حتى نتجنب الظلم و الطغيان كما يوضح مونتسكيو.وهذا لا يعني الانفصال المطلق والتام بين هذه السلط كما يدعو مونتسكيو، بل إن هناك في الحقيقة تعاون وتعاضد فيما بينها.فكل واحدة من هذه السلط تكمل الأخرى فالسلطة التشريعية أو البرلمان هي الرافد الأساسي الذي يستند إليه القضاء في إصدار الأحكام ،وهذه الأحكام بالضرورة تحتاج إلى تنفيذ والذي يتولى هذه المهمة هو الحكومة أو السلطة التنفيذية.

من هنا يمكن القول على أن التكامل بين السلط طبيعي ومقبول وإن كنا قد أكدنا مع مونتسكيو على ضرورة الفصل والاستقلال وعدم تداخل إحدى هذه السلط في مجال الأخرى الذي قد يؤدي الى ضياع الحقوق . بالإضافة إلى كل هذا يجب  على الدولة ان توفر لمواطنيها حقا آخر يرتبط في الواقع ارتباطا وثيقا بحق الحرية، ألا وهو حق الأمن والرعاية ضد الأخطار الخارجية.

 ملحق: الدولة مجموعة من الأجهزة( نص ألتوسير)

 طرح تجديد الفكر الماركسي إشكالا نظريا فيم يخص مسألتين : الأولى تتعلق بأن كل محاولات التجديد التي لحقت الماركسية اتهمت بالمراجعة ؛ أو اتهمت بتحريف أصول الماركسية.والثانية تتعلق بأن مسألة طرح الماركسية من جديد في المجتمع بعيد عن لحظة ماركس بعشرات السنين؛ معناه إعادة النظر أو على الأقل تكييف الفكر الماركسي مع معطيات العصر. وفي هذا الصدد يحضر لوي ألتوسير كأهم منظر للنظرية الماركسية .وفي هذا النص يكشف ألتوسير عن الأبعاد الأيديولوجية الأجهزة الدولة مستثمرا في ذلك العدة المفاهيمية لماركس من خلال استحضار مفهوم الصراع والهيمنة والتحكم والمراقبة والقمع والعنف. ومن هذا المنظور يميزالتوسير بين نوعين من الأجهزة التي تحكم بها الدولة ؛ النوع الأول يرتبط بجهاز عياني  يتمثل في الجيش والشرطة والسجون ؛ حيث يمثل جهازا عنيفا تتم بواسطته قمع كل أشكال الانحراف والتظاهر ؛ أي أن الدور المنوط بهذا الجهاز هو شل حركة المجتمع نحو الثورة .أما النوع الثاني فيرتبط بجهاز اخر أكثر تكتما تسرب من خلاله الدولة إيديولوجيتها الخاصة وفق الشروط والظروف التي تسمح لها بذلك ؛وفي هذا الإطار يمكن  إدراج كل مؤسسات الدولة : مؤسسة  دينية ، مدرسية، قانونية، إعلامية...

إن كل هذه المؤسسات تمارس الدور المكمل لما تقوم به أجهزة الدولة القامعة،التي و إن كانت تمارس العنف المادي، فإن هذه المؤسسات الأخيرة تمارس نوعا من التعمية و التعنيف الايديولوجي من خلال ما تمارسه من إكراه فكري؛ بل وأن هذه السلطة التي تمتلكها تبقى في كل المجتمعات متخفية لكونها إما تخاطب الجانب الوجداني أو الإلزامي(الدين، القانون) في الإنسان؛ ومن تم، فهذه الأشكال الإيديولوجية لابد وأن تتكامل فيما بينها لتنتج شكلا قمعيا للدولة.

 ملحق: السلطة ليست مجموعة أجهزة ( نص ميشيل فوكو)

 يمكن القول على سبيل افتراضي أن التصور الفوكوي لطبيعة السلطة السياسية يختلف عدة ونتائج عن التصور الألتوسيري لأشكال أجهزة الدولة وممارستها لفعل القمع .وهنا يجب أن نشير إلى ان فوكو ينطلق من فرضية تقول أن الإستراتيجيات و علاقات القوى المتعددة التي تتداخل فيما بينها هي التي تخلق سلطة الدولة ومؤسساتها .ومن هذا المنطلق ، فإن السلطة عند فوكو لا تعبر عن شكل متعال عن مجال اشتغالها ، بل عن شكل محايث يطلق على وضعية استراتيجية معقدة في مجتمع معين .

إن التصور الكلاسيكي للسلطة ظل محصورا في مجموع الأجهزة و المؤسسات التي تمكن من إخضاع المواطنين داخل دولة معينة سواء عن طريق العنف أو عن طريق القانون. لكن فوكو سوف يرفض هذا التصور بدعوى أن الانطلاق من فرضية سيادة الدولة في إطار الشرعية و الهيمنة معناه الوصول إلى الشكل النهائي للسلطة، وعليه، فإن الذي يهم ،حسب فوكو، هو البحث عن أشكال تغلغل وتواجد وتصارع مجموعة من القوى داخل مجتمع ما لتفرز شكلا مهيمنا ما. يقول :"يبدو لي أن السلطة تعني بادئ ذي بدء علاقات القوى المتعددة التي تكون محايثة الذي تعمل فيه(....) إنها الحركة التي تحول تلك القوى و تزيد من حدتها وتقلب موازينها بفعل الصراعات التي لا تنقطع". ولا يخفى ان القول بحتمية الصراع معناه التوسل بخطط واستراتيجيات تضمن دوام المنافسة و الصراع مع الخصم من أجل الهيمنة. فإذن ما السلطة؟يجيب فوكو بقوله "يجب تحليل السلطة كشيء متحرك ، وبالأحرى كشيء لا يمكنه الاشتغال إلا عن طريق التسلسل ، فهي ليست محلية وليست بيد أحد ، بل تشتغل في إطار شبكة ، ومن تم( تضمن) حركة الأفراد بجعلهم مستعدين للخضوع أو ممارسة السلطة ." والقول بشبكية السلطة معناه الإقرار بعدم جدوى البحث عن السلطة في النقط المركزية للدولة كما تمثلها المؤسسات ، بل من الضروري الالتجاء إلى أكثر النقط الهامشية لأنها أكثر فاعلية .ومن هذا المنظور ، يلح فوكو على اعتبار السلطة نوعا من المعرفة الإستراتيجية الموجًهة والموجَهة ، فمن جهة لا تشتغل السلطة إلا على نحو معرفة ، والمعرفة هي التي تضمن سيادة السلطة .ولهذا يمكن القول أن السلطة متواجدة في كل مكان وزمان نظرا لقدرتها على التولد في كل لحظة ؛ إذ بمجرد ما تنبع معرفة ما (علمية أو غير علمية) لابد وأن تتمظهر في شكل سلطة معينة بالغة التعقيد لدرجة يصعب تتبع أصول نشوئها .

 |||- المحور الثالث : الدولة بين الحق والعنف:

-1     مشروعية العنف( ماكس فيبر)

 يعبر كتاب "العالم والسياسي" لماكس فيبر عن إشكالية جدلية يحياها المجتمع المعاصر ؛ بين تدخل العلم في شؤون المجتمع ومحاولات تغييره نحو الأحسن وبين رؤية السياسي الذي يمارس نوعا من  الهيمنة في إطار من المشروعية.

إذن كيف يمكن تحديد مظاهر تسييس كل مناحي الحياة الاجتماعية وجعلها خاضعة لهذا النموذج السياسي أو ذاك ؟

إن السياسة عند فيبر وإن كانت تحيل في دلالاتها على تمظهرات كثيرة ترتبط بوسائل التدبير والتحكم , فإنها تحيل بشكل أساسي على مفهوم الدولة كقيادة سياسية لتجمع بشري في جغرافية معينة.لكن كيف يمكن للدولة أن تسوس أمور الشعب ووفق أي أدوات ؟

يقول فيبر على لسان تروتسكي أن وسيلة الدولة المثلى هي العنف كضامن وحيد لهيمنة الدولة.غير أن هذا العنف وإن كان ليس وسيلة الدولة الوحيدة ، إلا أنه أكثر أسلحتها نجاعة في قيادة المجتمع ولممارسة السلطة ، مادام أن تاريخ البشرية كشف عن محاولات التعنيف لضمان السلم الاجتماعي . من هذا المنطلق يرى فيبر أن السياسي يتوق إلى السلطة ، إما لأنها وسيلة لتحقيق غايات مثالية أو أنانية و إما لذاتها من أجل إشباع الشعور بالفخر الذاتي والرغبة في الوصول إلى السلطة وامتلاكها، بل وإن الاحتفاظ بها يعني بالضرورة أن الدولة /السلطة تعتمد على علاقة أساسية تربط بها هيمنة الإنسان على الإنسان من خلال العنف المشروع، ومن تم يقول فيبر"لا يمكن أن توجد الدولة إلا بشرط خضوع الناس المهيمن عليهم إلى السلطة"

يمكن القول إذن أن الدولة من هذا المنظور هي المالكة الوحيدة لحق ممارسة العنف داخل تجمع سياسي معين كونها تمتلك وسائل متعددة لممارسة السلطة.

 2- الدولة هي نتاج الصراع بين الطبقات ( فريدريك إنجلز )

لا يمكن النظر إلى الفكر الماركسي إلا من داخل علاقاته المتشنجة مع فلسفة هيغل . والواقع أن ماركس أخد عن هيغل في كثير من أطروحاته دون أن يمنعه ذلك من إعادة النظر في التصور الهيغيلي للتاريخ والدولة. إذ إذا كان هيغل  قد أقر بأن التاريخ أو الروح المطلق قد انتهى مع الدولة البروسية معبرا عن انصهار العقل في الواقع والواقع في العقل، فإن مثل هذا التصور لا يخفي عن نفسه البعد التبريري والاختزالي للتاريخ ، وربما هذا ما يبرر قلب ماركس للجدل الهيغلي بجعله يسير على قدميه بعد أن كان يسير على رأسه.فإذن كيف يحضر مفهوم  الدولة عند كل من ماركس وانجلز؟ وما علاقة تطور التاريخ بالدولة؟

إن الدولة في نظر إنجلز ليست هي الصورة المطلقة لظهور العقل في التاريخ وفي الدولة , بل إنها نتيجة تصارع قوى عديدة داخل هذا المجتمع أو ذاك في مراحل تطوره.وهذا يعني تماشيا مع التصور الماركسي ، أن التناقض والصراع هو المحدد الأول والأخير في تمفصل طبقات المجتمع تبعا للمصالح الاقتصادية لكل طبقة، ومن هنا يمكن فهم أساس قيام الدولة كطرف للمصالحة بين الأطراف المتنازعة ، ومن تم تنصب نفسها فوق المجتمع.

ولهذا السبب يمكن فهم حاجة كل المجتمعات إلى الدولة ، إذ إن كل إفرازات المجتمع الإيديولوجية والدموية بين الأفراد والطبقات تحتاج كلها إلى جهاز سلطة لكبح تعارضاتها وجعلها في مستوى مقبول.لكن لا ينبغي ان نفهم من هنا ان الدولة طرف محايد في معادلة الصراع، بل هي دوما تتشكل من الطبقة الأقوى في المجتمع أي تلك الطبقة التي تسود وتهيمن اقتصاديا ، مما يضمن لها أن تسود سياسيا .وهذا يعني ، حسب انجلز، لم توجد في يوم من الأيام إلا عندما تطور الميدان الاقتصادي وفرض تنظيم المجتمع وفقا لوسائل الإنتاج والاستغلال .


Fourni par Blogger.

Rechercher dans ce blog

المواضيع النشطة

حول الموقع

back to top